آراء
هل العيد مرتبط فقط بشهر رمضان من ناحية، ومن توقيتٍ آخر آخر بالأضحية؟، أم أنّ الأمر أكثر اتّساعاً وعمقاً من هذا؟
الحقيقة أنّ كل المعاني التي أوردنا إياها اللّه عزّ وجلّ في قرآنه الكريم وعبّر رسولنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، تدعوك للتأمل والتدبر، وأنّ الشيء لا يقف عن محدوديته اللفظية، أو محدوديته الزمنية، وأقصد بهذا، أنّ العيد له خصوصية لأنّه يعقب شهر رمضان، لكن إذا وقفت عند الحالة التي تكتنف العيد، والتي من أجلها اللّه عزّ وجلّ يريد أن يُفرحك، فإنّني أجد أنّ عيد الفطر مقترن بشهر رمضان، وشهر رمضان مقترن بثيمة أساسية هي الصيام، والصيام مرتبط بحالته الظاهرة من ترك الطعام والشراب وحالته الباطنة من ترك مفسداته كلّها المعنوية والمادية والدليل على ذلك قول المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم “من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ ، فليسَ للَّهِ حاجةٌ بأن يدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ”، وأعرض هذا الشرح كي أقول أنّ الصيام لمجرّد أنّه صيام ليس هو مقصد رمضان، وبالتالي فإنّ العيد بعد شهر رمضان يتجاوز معناه، لأقول:
إنّ كلّ يوم تصومه للّه عزّ وجلّ وتحسن صيامك فيه على صعيد الروح والجسد فإنّه يعقبه عيد على روحك وجسدك، لأنّ عيد الفطر مقترن بهذه الحالة، لكن السؤال كيف تلتمس هذا العيد الخفيّ؟
من جمال وعظمة حبّ اللّه عزّ وجلّ للصيام، نجد في الحديث القدسي “قال اللّه عزّ وجلّ: كلّ عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنّه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة” بمجرّد أن تشعر أنّك تقوم بعمل، اللّه عزّ وجلّ مباشرة هو الذي يجزيك به، وهو خاص باللّه عزّ وجلّ، إذ كان الصيام طريق الأنبياء والصالحين في بلوغ رضا اللّه عزّ وجلّ ونيل مواهبه اللدنية.
إذن كيف تصل إلى تذوق جماليات العيد الخفيّ في حياتك؟ حينما تستشعر أنَّ صومك العادي في النوافل على مدار العام، يعقبه عيد، لأنّك تعلم أنّ اللّه عزّ وجلّ اختار أن يربط عيد الفطر بشعيرة الصيام، فأنت تنوي أنّك تصوم لوجه الله وليشعرك اللّه عزّ وجلّ بجماليات عيده ومكافآته، ومع شدة التقرب وحسن الأدب مع اللّه عزّ وجلّ، ستبدأ تتسع لك فكرة العيد، فتعلم أنّ كلّ لحظةٍ تستطيع فهم إشارات اللّه عزّ وجلّ في حياتك هي عيد، كلّ فهمٍ جديد لآية في القرآن هو عيد، كلّ سوءٍ يُدرأ عنك هو عيد، كلّ اختيار ربنا يختاره لك هو عيد، فيتمدد العيد في حياتك، ويصبح الصيام مفتاحاً لترتشف من كؤوس العيد الظاهرة والباطنة، فهل عشت العيد الخفيّ؟ أم أنّك اقتصرت على المعنى الظاهريّ لعيد الفطر؟ والذي يزول بمجرّد انتهاء أيامه القصيرة وعودتك لحياتك الروتينية؟
وصلّى اللّه على سيّدنا رسول اللّه محمّد هدية كلّ عيد، وبهجة على عيد، ونور كلّ عيد، وجمال كل عيد، وكمال السعادة في كلّ يوم جديد، وعلى آله وأزواجه وذريته وسلّم.

