مدونات

ثوار الأريكة بين الحياد والدعاء

مارس 13, 2026

ثوار الأريكة بين الحياد والدعاء

يونس العيسى  

 

لم تكن ثورات الربيع العربي مجرّد لحظة سياسية عابرة، بل كانت زلزالاً اجتماعياً وثقافياً أعاد تشكيل اللغة كما أعاد تشكيل الوعي. ففي خضم التحوّلات الكبرى، ووسط صراع الدم والكرامة، وُلدت مصطلحات جديدة لم تكن ترفاً لغوياً، بل أدوات توصيف دقيقة لواقع معقّد، كشفت طبيعة البشر حين يُوضعون أمام لحظة اختبار أخلاقي لا تقبل الرمادية.

من بين هذه المصطلحات، برز تعبير “حزب الكنبة” الذي أطلقه ثوار مصر على فئةٍ واسعة من الناس آثرت الجلوس في منازلها، تراقب مشاهد الثورة عبر الشاشات، وتعلّق عليها من مسافة آمنة، دون أن تدفع ثمناً، أو تتحمّل تبعات موقف. كانوا شهوداً بلا شهادة، ونقّاداً بلا مشاركة، ومزاودين بلا تضحية.

لم يكن “حزب الكنبة” توصيفاً ساخراً بقدر ما كان إدانة سياسية وأخلاقية لظاهرةٍ اجتماعية كاملة. أناس تابعوا سقوط الاستبداد لحظة بلحظة، وأطلقوا الشعارات الرنانة من خلف الشاشات، وانتقدوا أداء الثوار في الميادين، بينما كان غيرهم يواجه الرصاص، والاعتقال، والتشويه الإعلامي.

هذه الظاهرة لم تتوقف عند حدود مصر، بل انتقلت بصيغٍ مختلفة إلى ساحاتٍ عربية أخرى، وعلى رأسها سوريا، حيث كانت الكلفة أعلى، والدم أغزر، والاختبار أقسى.

 

حين اختُبرت اللغة في سوريا

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، لم تُختبر المواقف وحدها، بل اختُبرت اللغة أيضاً. فقد ظهرت عبارات بدت في ظاهرها بريئة، لكنّها في عمقها كانت محمّلة بدلالاتٍ سياسية خطيرة. من أكثر هذه العبارات شيوعاً: “الله ينصر الحق”، جملة لا يختلف اثنان على قدسيتها في أصلها، لكنّها تحولت على ألسنة كثيرين إلى مساحة هروب مريحة من اتخاذ موقف واضح. قيلت لتبرير الصمت، وتجميل الحياد، والوقوف في المنتصف حين كان الوقوف في المنتصف انحيازاً غير معلن للجلاد.

هؤلاء لم يكونوا مع الثورة، ولم يجرؤوا على إعلان الوقوف ضدّها، فاختبؤوا خلف دعاء عام لا يكلّفهم شيئاً، ولا يضعهم في مواجهةٍ مع أحد.

المشكلة لم تكن في الدعاء ذاته، بل في تفريغه من مضمونه الأخلاقي. فقد تحوّلت عبارة “اللّه ينصر الحقّ” إلى جملةٍ مطاطية، تصلح لكلّ زمانٍ ومكان، ولا تُلزم قائلها بشيء، لا تقول أين يقف، ولا ماذا فعل، ولا لماذا صمت حين كان الحقّ يُسحل في الشوارع، ويُعذّب في السجون، ويُقصف في البيوت.

لهذا السبب، أصبحت هذه العبارة المفضلة لدى الرماديين والمتلونين، وأولئك الذين احترفوا العيش في المنطقة الآمنة بين الضحية والجلاد. فهي لا تجرّ صاحبها إلى المساءلة، ولا تضعه أمام سؤال: ماذا فعلت حين كان الفعل واجباً؟

الحياد.. فضيلة مزعومة

في السياق السوري، لم يكن الحياد فضيلة كما حاول البعض تصويره، فالحياد في مواجهة نظام يقتل شعبه، ويهجّره، ويدمّر مدنه، ليس موقفاً أخلاقياً، بل تخلٍّ عن المسؤولية. ومع ذلك، تصرف كثيرون وكأنّ ما يجري مجرّد خلافٍ سياسي، أو وجهات نظر متباينة، لا جريمة مستمرة بحقّ شعب كامل.

قالوا: “اللّه ينصر الحقّ”، لكنّهم لم يجرؤوا على تسمية الباطل. وكأنّ الحقّ كيان مجرد، قادر على الانتصار وحده، بلا بشر، وبلا مواقف، وبلا تضحيات.

بعد النصر.. خرجوا من صمتهم

المفارقة الأكثر فجاجة أنّ كثيراً من الأصوات التي اكتفت بالدعاء في سنوات القتل، ارتفعت فجأة بعد تراجع النظام وانكشاف ضعفه. لم نسمعها حين كانت البراميل تسقط، ولا حين كانت السجون تُمتلئ، لكنّها ظهرت بعد النصر، توزّع الأدعية، وكأنّها كانت دوماً في الصف الصحيح.

هنا لم يعد الدعاء تعبيراً عن إيمان، بل أداة لتبييض الماضي، ومسح سنوات من الصمت، أو الخوف المريح، أو التواطؤ غير المعلن، وبين الصدق والادعاء لم تكن الثورة تطلب من الجميع أن يكونوا أبطالاً، لكنّها كانت تطلب حداً أدنى من الصدق. هناك فرق شاسع بين من يقول: كنت خائفاً، أخطأت، وصمت، وبين من يكتفي بعبارة عامة يختبئ خلفها.

الأول يمكن فهمه، وربما مسامحته، أمّا الثاني فيريد أن يعبر التاريخ بلا ذاكرة، وبلا ثمن، وبلا مسؤولية. وسوريا الجديدة لا يمكن أن تُبنى على هذا النوع من الإنكار.

سقوط النظام.. وسقوط الأقنعة

مع التحوّلات الأخيرة في المشهد السوري، لم يسقط نظام الأسد وحده، بل سقطت معه أقنعة كثيرة. وبرزت إلى السطح ظاهرة “المكوعين”؛ أولئك الذين غيّروا مواقفهم بزاوية 180 درجة، وانتقلوا من دعم النظام، أو الصمت في ظلّه، إلى الادعاء بأنّهم كانوا دائماً مع الثورة، لكن “في السر”، كأنّ سنوات الثورة الطويلة كانت مجرّد انتظار هادئ لانتصار الحقّ، لا فترة اختبار أخلاقي قاسٍ.

ثوار الأريكة.. انتهازية مزمنة

ثوار الأريكة لم يكونوا مجرّد حالة فردية، بل ظاهرة متجذّرة صنعتها عقود من الاستبداد، حيث تعلّم الناس أنّ السلامة في الصمت، والمكاسب مع المنتصر. لذلك، لم يغيّروا قناعاتهم، بل غيّروا مواقعهم، وارتدوا ثوب الثورة بعد سقوط الجلاد، كثير منهم شيطن الثورة علناً، ثمّ بعد التحرير رفع أعلامها، وتسابق إلى مؤسسات السلطة الجديدة، مزوداً بخطاب جاهز لتلميع الماضي.

أصناف متعددة.. وجوهر واحد

في ثوار الأريكة: نجد الذي بارك كلّ سلطة تحمي مصالحه، والمثقف الذي برر القمع باسم الدولة، والمواطن العادي الذي يقف متفرجاً ويكتفي بدعاء نصرة الحقّ، وكذلك المحرض الذي تلطخت يداه بالكراهية، ثمّ طالب بعفو النسيان، والجامع بين كلّ هؤلاء أنّهم يريدون مستقبلاً بلا مساءلة، وثورة بلا ذاكرة.

العدالة لا تعني الانتقام

السؤال الجوهري اليوم: كيف نتعامل مع هذه الظاهرة؟ الثورة التي قامت ضدّ الظلم لا يجوز أن تتحوّل إلى مشروع انتقام، لكنّها أيضاً لا تستطيع أن تبني دولة عادلة على إنكار الماضي، والمطلوب ليس الإقصاء الأعمى، بل الاعتراف والمحاسبة: مَن أخطأ يعترف، مَن تواطأ يُحاسب، ومن خاف يُفهم خوفه، لكن لا أحد يُكافأ على صمته.

 التاريخ لا يُخدع وسقوط نظام الأسد كان لحظة تحرر، لكنّه أيضاً لحظة كشف. ومن لا يحتمل ضوء الحقيقة سيبقى ثائر أريكة، مهما بدّل لغته أو رايته.

فالثورة ليست بيت أبي سفيان، ولا صفحة تُطوى بلا حساب. إنّها مشروع بناء دولة، بذاكرة حيّة، وعدالة منصفة، ووضوح أخلاقي لا يسمح بأن يتحوّل الدعاء إلى قناع، ولا الحياد إلى بطولة.

شارك

مقالات ذات صلة