مدونات

من سوريا إلى إيران: الوكيل الكردي القابل للاستبدال

مارس 6, 2026

من سوريا إلى إيران: الوكيل الكردي القابل للاستبدال

 أحمد الياماني

في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها إيران، عاد الحديث بقوة عن “الورقة الكردية” كأداةٍ جيوسياسية لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي. وبينما تشير التقارير إلى تنسيق متزايد بين أطراف المعارضة الكردية الإيرانية والولايات المتحدة، تتشكّل لدى المراقبين تساؤلات مشروعة حول مصير هذه القوى، خاصة عند استحضار التجربة السورية، حيث تحوّلت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من حليف استراتيجي لا غنى عنه في الحرب ضد داعش إلى ورقة تفاوضية معلقة على حبال السياسة الدولية.

من “الخاصرة الرخوة” إلى “الذراع البرية”

لطالما نظرت القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى المكونات العرقية في إيران كخاصرةٍ رخوة يمكن استغلالها لزعزعة استقرار النظام في طهران. تاريخياً، نشأت الأحزاب الكردية الإيرانية (مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب بيجاك) كحركات مطالبة بالحقوق القومية، لكنّها اليوم تجد نفسها أمام عرض مغرٍ وخطير في آنٍ واحد: التحوّل إلى “ذراع برية” ضمن استراتيجية تغيير النظام.

إنّ السيناريو الذي يتمّ تداوله والقائم على توفير دعم جوي أمريكي لقواتٍ كردية للسيطرة على مناطق داخل إيران ليس بجديد. إنّه استنساخ لنموذج “تحالف الشمال” في أفغانستان، ونموذج العمل مع “قسد” في شرق الفرات السوري. المنطق هنا بسيط: واشنطن لا ترغب في الانزلاق إلى مواجهة مباشرة ومكلفة، لذا تبحث عن “وكلاء” محليين يتحملون عبء القتال البري.

درس الشمال السوري: التحالف المليء بالثغرات

لفهم مآلات هذا المسار، يجب النظر إلى التجربة الكردية في سوريا. لقد كانت واشنطن بحاجة ماسة لقوة برية للقضاء على تنظيم داعش، فوجدت في “وحدات حماية الشعب” (YPG) الحليف المثالي. وفّرت لهم الغطاء الجوي، الدعم اللوجستي، والشرعية السياسية. لكن بمجرّد انتهاء “المهمة الكبرى” (سحق التنظيم)، بدأت حسابات واشنطن تتغير.

تخلت الولايات المتحدة عملياً عن حماية مناطق الأكراد السوريين أمام التوغل التركي في أكثر من محطة، تاركةً إياهم في مواجهة مباشرة مع أنقرة. هذا النمط من التعامل يثير مخاوف حقيقية لدى أكراد إيران: هل هم أمام تحالف استراتيجي طويل الأمد، أم أنّهم مجرّد “وقود” لمرحلةٍ انتقالية تنتهي بمجرد تحقيق أهداف واشنطن في إضعاف النظام الإيراني؟

تقاطع المصالح ومخاطر الانفصال

إنّ الربط بين أكراد سوريا وإيران يضع المنطقة أمام “دومينو” جيوسياسي. فإذا نجحت خطة دعم الأحزاب الكردية الإيرانية في خلق مناطق حكم ذاتي، فإنّ ذلك لا يعني فقط تفتيت الجغرافيا الإيرانية، بل يعني أيضاً إثارة حفيظة تركيا بشكلٍ وجودي. إنّ قلق أنقرة من صعود كيان كردي على حدودها مع إيران يوازي قلقها من الكيان الكردي في سوريا.

هنا تبرز المعضلة: الولايات المتحدة تسعى لإضعاف إيران عبر دعم الانفصالية الكردية، لكنّها في الوقت ذاته لا تستطيع التضحية بعلاقتها الاستراتيجية مع تركيا، العضو في الناتو. التاريخ السوري يخبرنا أنّ واشنطن غالباً ما تختار “المصلحة الأكبر” (الحفاظ على تماسك الناتو أو توازنات إقليمية) على حساب الحلفاء المحليين الذين أدوا دورهم وانتهى.

الاستراتيجية الأمريكية: البراغماتية القاسية

إنّ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لا تقوم على التزام أخلاقي تجاه الحلفاء بقدر ما تقوم على “البراغماتية القاسية”. لقد أثبتت التجارب أنّ واشنطن تدعم الأقليات أو المجموعات الانفصالية كأداة ضغط (Leverage)، وعندما تصل إلى سقف معين من التفاوض مع القوى الكبرى (سواء كانت طهران أو موسكو أو أنقرة)، يتمّ التضحية بهذه الأوراق تباعاً.

في حالة أكراد إيران، يبدو أنّ الولايات المتحدة ترغب في استنساخ سيناريو السيطرة على الأرض، لكنّها تتجاهل أنّ البيئة الإيرانية أكثر تعقيداً من الحالة السورية. إنّ توريط الأحزاب الكردية في صراع مفتوح مع الحرس الثوري الإيراني، مع تذبذب الدعم الأمريكي المحتمل، قد يؤدي إلى كارثة إنسانية ووجودية لهذه الأحزاب، حيث يجدون أنفسهم معزولين في جبال قنديل أو في مناطق حدودية، في حين تتغيّر الحسابات في واشنطن.

خاتمة

إنّ التطورات التي تشهدها المنطقة تشير إلى إعادة تفكيك وتركيب للخرائط السياسية تشبه في تأثيرها اتفاقية “سايكس بيكو”. الأكراد، كونهم المكون العابر للحدود، يدفعون دائماً ثمن هذه التحوّلات. وبينما يرى البعض في الدعم الأمريكي فرصة تاريخية، يرى الواقعيون في ضوء درس سوريا أنّ هذا الطريق محفوف بالتخلّي.

إنّ التحالف مع القوى العظمى في أوقات الاضطراب السياسي يتطلّب وعياً بحقيقة أنّ هؤلاء الحلفاء لا يملكون أصدقاء دائمين، بل مصالح دائمة. وإذا كان أكراد سوريا قد دفعوا ثمن هذه الحقيقة من استقرار مناطقهم ووجودهم السياسي، فإنّ أكراد إيران يقفون اليوم أمام مرآة التاريخ، فهل سيتعلمون الدرس أم سيكررون تجربة الاعتماد الكلي على واشنطن؟

شارك

مقالات ذات صلة