سياسة

منطق الاشتباك الجديد بين إيران وإسرائيل.. وسوريا في قلب الارتدادات

فبراير 28, 2026

منطق الاشتباك الجديد بين إيران وإسرائيل.. وسوريا في قلب الارتدادات

في صبيحة 28 شباط/ فبراير 2026، دخل الشرق الأوسط طوراً جديداً من الصراع لا يمكن اختزاله بوصفه جولة تصعيد عابرة، بل بوصفه انتقالاً نوعياً في منطق الحرب الإقليمية. فالمواجهة العسكرية التي اندلعت بين إيران وإسرائيل كشفت، منذ ساعاتها الأولى، عن اختلاف جوهري عمّا شهدته المنطقة في حزيران/ يونيو 2025، سواء من حيث التوقيت أو طبيعة الأهداف أو مستوى الانخراط الدولي. لم تعد الضربة الافتتاحية حدثاً ليلياً مباغتاً محدود الأثر، بل عملية نهارية محسوبة بدقة، نُفّذت في أول أيام الأسبوع وفق التقويم الإيراني، بما يوحي بسعي واعٍ إلى شلّ منظومات القيادة والسيطرة، وتعظيم الأثر السياسي والنفسي منذ اللحظة الأولى.

تشير المعطيات الأولية إلى أنّ الموجة الأولى من الهجمات ركزت على عقد قيادية وأمنية داخل طهران ومحيطها، شملت منشآت استخباراتية ومقار مرتبطة بالقيادة العليا، في نمطٍ يتجاوز الاستهداف التقليدي للبنية العسكرية أو النووية. هذا الاختيار يعكس تبنّي عقيدة “قطع الرأس”، التي تراهن على إرباك مركز القرار وتعطيل قدرته على إدارة الصراع، بدل الاكتفاء باستنزاف القدرات المادية. في هذا السياق، برز الانخراط الأمريكي المباشر بوصفه التحوّل الأكثر حساسية في هذه الجولة، إذ بدت الولايات المتحدة، في ظلّ إدارة الرئيس دونالد ترامب، طرفاً مشاركاً منذ البداية، سياسياً وعملياتياً، في حملة منسقة مع إسرائيل. ورغم أنّ الخطاب الرسمي الأمريكي قدّم العملية في إطار الدفاع عن المصالح والوجود الأمريكي، فإنّ الرسائل السياسية المصاحبة، ولا سيّما تلك الموجهة إلى الداخل الإيراني، عكست سعياً أوسع لإضعاف بنية الحكم ودفعها إلى حالة من التآكل الداخلي، من دون إعلان ذلك كهدفٍ صريح.

في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعاً على نحو غير مسبوق مقارنة بجولاتٍ سابقة. فخلال ساعات قليلة، انطلقت ضربات صاروخية باتجاه العمق الإسرائيلي، في مؤشر واضح على وجود سيناريوهات جاهزة وتفويض مسبق بالرد، بعيداً عن منطق الانتظار أو الحسابات المتدرجة. الأهم من ذلك أنّ طهران وسّعت نطاق الاشتباك منذ اللحظة الأولى، بحيث لم تعد المواجهة محصورة بإسرائيل، بل طالت مصالح مرتبطة بالوجود الأمريكي في الإقليم، مع مؤشرات على نشاطٍ عسكري في محيط القواعد الأمريكية. هذا التحوُّل يعكس قراراً واعياً بنقل الصراع من مستوى الردع المتبادل إلى مستوى الاشتباك المفتوح، على عكس ما جرى في 2025 حين اتّسمت الردود الإيرانية بطابعٍ رمزي هدفه فتح مسار خفض التصعيد لا إغلاقه.

ومع إعلان الحوثيين في اليمن استئناف هجماتهم في البحر الأحمر، اتّضح أنّ الصراع خرج سريعاً من إطاره الثنائي، وبدأ يتخذ ملامح مواجهة إقليمية متعددة الجبهات. هذا التوسع لا يعكس فقط تضامناً محورياً، بل يشير إلى تآكل “الخطوط الحمراء” غير المعلنة التي كانت تضبط سلوك الأطراف خلال السنوات الماضية. ومع تراجع هذه القيود، باتت المنطقة أمام مفترق طرق: إمّا احتواء هش يقوم على تبادلات نارية محكومة، أو انزلاق تدريجي نحو حرب إقليمية طويلة الأمد، تتشابك فيها الأهداف العسكرية مع رهانات إعادة رسم التوازنات السياسية.

وسط هذا المشهد، تجد سوريا نفسها منخرطة قسراً في تداعيات صراع لا تملك أدوات التأثير في مساره، رغم تمسكها المعلن بسياسة الحياد في ظلّ إدارة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع. فالجغرافيا السورية، بحكم موقعها وتشابك مجالها الجوي مع مسارات الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الاعتراض، لا تسمح بفصل البلاد عن ارتدادات المواجهة. وقد اضطرت الحكومة السورية إلى إغلاق بعض الممرات الجوية مؤقتاً، مع تحوّل الأجواء السورية إلى فضاء عبور لنيران متقاطعة لا تشكّل دمشق طرفاً مباشراً فيها. هذا الواقع لم يبق محصوراً في إطار الانتهاك التقني للسيادة الجوية، بل ترجم نفسه بخسائر بشرية، بعد سقوط حطام صاروخي على منطقة مدنية في السويداء، ما أدى إلى سقوط ضحايا، في حادثة تختصر هشاشة الموقع السوري بين أطراف صراع أوسع.

في هذه الجولة تحديداً، لا تبدو سوريا هدفاً مباشراً للضربات الإسرائيلية، على خلاف مراحل سابقة. غير أنّ غياب الاستهداف لا يعني خروجها من الحسابات، بل يعكس تبدلاً في أولويات العمل العسكري الإسرائيلي، الذي انصبّ تركيزه على إدارة المواجهة مع إيران في ساحات تعتبرها أكثر حساسية وحسماً. ومع ذلك، ظلّ الجنوب السوري حاضراً بوصفه مجالاً يجب إبقاؤه مضبوطاً ومنزوع القابلية للتحوُّل إلى جبهة نشطة، عبر رسائل ردع غير مباشرة نُقلت بوساطاتٍ دولية وإقليمية، في مقدمتها الولايات المتحدة. هذا النمط من “الضبط بلا تصعيد” يضع الحكومة السورية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على سياسة الحياد وعدم توفير ذرائع للاشتباك، مقابل منع تكريس وقائع أمنية دائمة تنتقص من السيادة أو تعيد إنتاج منطق المناطق العازلة بحكم الأمر الواقع.

داخلياً، لا تقل التداعيات خطورة عن التحديات العسكرية غير المباشرة. فبينما كانت الحكومة السورية قد بدأت مع مطلع عام 2026 خطوات إصلاحية محدودة في المجال النقدي والإداري، فإن اندلاع مواجهة إقليمية واسعة لا يهدد هذه الإجراءات بالانهيار الفوري، بقدر ما يفرغها من زخمها ويقيّد أثرها. فبيئة عدم الاستقرار الإقليمي ترفع كلفة التأمين والشحن، وتؤخر عودة الاستثمار، وتحدّ من قدرة أيّ سياسة اقتصادية على إحداث تحسن ملموس في المدى القصير. التحدي هنا ليس مالياً بحتاً، بل هو بنيوي، مرتبط بقدرة الدولة على الاستمرار في مسار التعافي ضمن محيط إقليمي شديد الاضطراب.

أمنياً، تبدو المخاطر أكثر تعقيداً. فقد حققت دمشق خلال الأشهر السابقة تقدّماً نسبياً في ملفات داخلية حساسة، من بينها تهدئة توترات محلية والتوصل إلى تفاهمات مرحلية مع قوى مسيطرة في الشمال الشرقي. غير أنّ انشغال القوى الإقليمية والدولية بالمواجهة الكبرى يخلق فراغات أو مناطق رمادية، قد تستغلها تنظيمات متطرفة لإعادة تنشيط خلاياها وتقويض مسار إعادة بناء الدولة. في هذا السياق، لا تنبع الهشاشة من الداخل السوري وحده، بل من تداخل مسار انتقالي غير مكتمل مع بيئة إقليمية تتجه نحو مزيدٍ من السيولة والصدام.

في المحصلة، تقف سوريا عند تقاطع بالغ الحساسية بين حرب إقليمية آخذة في الاتساع ومحاولة داخلية شاقة لإعادة تثبيت الدولة واستعادة حد أدنى من الاستقرار. التحدي المركزي أمام دمشق يتمثّل في إدارة تداعيات صراع هي ليست طرفاً فيه، مع الحفاظ على التماسك الداخلي ومنع انزلاق البلاد إلى معادلاتٍ أمنية تُفرض من الخارج. وفيما يترقب الشرق الأوسط مآلات مواجهة قد تعيد رسم خرائط النفوذ لعقود مقبلة، تبقى قدرة سوريا على عبور هذه المرحلة مرهونة بدقة هذا التوازن، في زمنٍ لا يعترف بالحياد، لكنّه يعاقب بشدة من يفشل في إدارته.

 

شارك

مقالات ذات صلة