سياسة

​هدم جدار التمدن.. سوسيولوجيا عشوائيات الأسد

مايو 25, 2026

​هدم جدار التمدن.. سوسيولوجيا عشوائيات الأسد

 أسامة أحمد نزار صالح

في بدايات عام 2005، كنتُ أحاول تحصيل موافقة لمشروع “إفراز” لأحد عقارات عائلتي في منطقة طوق المدينة. نظر المسؤول إلى المخططات الطبوغرافية بزهد، وأجاب بتعابير ممتعضة: “مخططك يبدو مثالياً، لكنه لا يتطابق مع المصلحة العامة والواقع على الأرض؛ هناك واضعو يد ومخالفات لا يمكنّني هدمها أو تجميلها، وعلينا القبول بالأمر الواقع!”.

ثمّ اتكأ متباهياً بـ “عبقرية” جده التنظيمية: “عندما اقتنى جدي بقرته الوحيدة، اختصر الكلفة ولم يبنِ لها حظيرة مستقلة، بل حوّل غرفة المعيشة إلى حظيرة، وجعل بابها يفتح مباشرة من غرفة نومه؛ هكذا خفّض التكاليف وتأقلم مع الوضع الراهن، فضلاً عن أنّه لم يعد يضطر للخروج من البيت ليطلّ عليها ويحلبها في أيام المطر والبرد! أليس هذا هو الإبداع التنظيمي الواقعي؟! اجعلها حكمةً وسِر عليها في مشروعك!”.

انتظر منّي أن أنبهر بالذكاء الذي اختصر المسافة بين سرير النّوم وروث الماشية. وفي تلك اللحظة، أدركتُ المعضلة؛ إنّ المدن السورية تُنظّم بعقلية هدم جدار التمدن كاملاً لشرعنة العشوائية واستسهال الأمر الواقع.

لم تكن نصيحة ذلك المسؤول إلا نتاجاً فكرياً لبيروقراطيٍّ تفرّخ من نوعٍ استثنائي من الأنظمة السياسية، هو نظام الأسدين البعثي. إنّ هذا المسؤول، بعقليته التي تقدّم العشوائية كإبداعٍ تنظيمي، يمثّل الامتداد الوظيفي والنفسي لتلك الهجرة التاريخية التي بدأت بملامح خجولة مع تشكّل الدولة الوطنية في بدايات عشرينيات القرن العشرين، لكن موجاتها الكبرى والزلزلية لم تنفجر إلا مع استلام حزب البعث للسلطة عام 1963، لتأخذ حجماً راديكالياً وأكثر تنظيماً بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970.

لقد استندت قاعدة حزب البعث في الأساس إلى أبناء الريف المنحدرين من طبقاتٍ اجتماعية دنيا ومهمشة، عانت تاريخياً من الفقر المدقع والعوز والتهميش. وجد هؤلاء في أدبيات الحزب وشعاراته البرّاقة حول “العدالة الاجتماعية” والتركيز على “العروبة” وعاء جامعاً، الطوق الوحيد للنجاة، والوسيلة المثالية لإحداث قطيعة جذرية مع أحوال البؤس السابقة التي عاشتها طبقاتهم.

وفي سنوات حكم البعث الأولى، غدا مقياس نجاح الوزير مرهوناً بطول قوائم التسريحات الكيفية في وزارته، إيذاناً بتعييناتٍ جديدة تضمن تدفق الأقارب والمحاسيب والبعثيين لنيل “حقوق النضال”. هكذا، بدأت قوافل القرويين تهجر حقولها نحو المدن، وسرعان ما طغت “القاف المقلقلة” بلكنتها الريفية الصارخة على مكاتب الوزارات والمؤسسات الحكومية، معلنةً تبدّل الهوية اللغوية والاجتماعية للسلطة.

كان هذا التحوُّل نتيجة طبيعية لتعميم نوع جديد من الاقتصاد الهجين في سوريا البعث، اقتصادٌ يمكن تسميته بـ “اقتصاد الوظيفة الحكومية”. يقوم هذا النموذج أساساً على إلحاق أبناء الريف بالوظائف البيروقراطية (وبالأخص المؤسسات العسكرية والأمنية)، بالتوازي مع تدمير ممنهج لاقتصاد السوق عبر قرارات التأميم الاشتراكية الجائرة والنزع القسري للملكيات، وصولاً إلى إضعاف البرجوازية الوطنية المدينية وسحقها واجتثاثها كلياً من المشهد الاقتصادي والسياسي، ليتوج ذلك لاحقاً باحتكار المقرّبين من العائلة الحاكمة للاقتصاد الحر.

ومع انقلاب حافظ الأسد عام 1970، دخلت هذه الديناميكية طوراً أكثر راديكالية؛ فلم تعد الهجرة إلى المدينة مجرّد بحثٍ عن ملاذٍ في “وظيفة حكومية”، بل تحوَّلت إلى زحفٍ سياسيٍّ واجتماعي منظّم، مدفوع برغبة عارمة في إعادة صياغة موازين القوى، وفرض واقع جديد على الحواضر التّاريخية التي طالما اعتُبرت حكراً على النخب التّقليدية.

لقد استقر وافدو هذا الزحف الجديد من أنصار السلطة وعقيدتها في أحزمة الفقر والمخالفات التي طوّقت العاصمة وبقية الحواضر السورية الكبرى. نشأت هذه الأحياء مشوهةً، تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط تنظيم الأبنية، وتخطيط الشوارع، والحدائق، والوجائب العمرانية، فضلاً عن غياب المعايير الصحية والجمالية. لم يكن هناك أيّ جديد في هذه البيئات يشكل اختلافاً حقيقياً عن قراهم التي غادروها؛ لقد نقلوا القرية بكل منظومتها العلاقاتية والاجتماعية وثبتوها على حواف المدينة، لتبدأ عملية قضم تدريجية لهوية الحاضرة وتمدنها.

لم ينخرط هؤلاء الوافدون في الدورة الاقتصادية الحقيقية والمستقلة للمجتمع السوري لأسبابٍ بنيوية مختلفة، لعلّ أهمها الاستغراق الكامل في الطبيعة العسكرية والأمنية لأعمالهم وارتباطهم العضوي بريع السلطة. وبدلاً من الإنتاج والتّمدُّن، غرق هؤلاء في تبنّي قشور الحداثة ومظاهرها السطحية؛ فاقتصر هوسهم على أنماط اللباس، والمظاهر الاستهلاكية، وشكليات العلاقات الاجتماعية، مستفيدين من امتيازات السلطة الفجة. ومع ذلك، عجزت قيم “دولة الأسدين” عن تقديم حلٍّ حقيقي لعقدة المدينة المتجذّرة في نفوس أنصارها من الوافدين أو أبنائهم، لا سيّما بعد أن غاصت هذه الحواضن في أعماق منظومة شديدة الفساد ومفسدة لكلّ أوجه الحياة، والثقافة، والقيم، والأخلاق.

وبدلاً من تمدين بيئته الحاضنة وجرّها نحو الاندماج في ثقافة الحاضرة واقتصادها الحر، عمد الأسد الابن إلى توسيع دائرة “اقتصاد الوظيفة الحكومية” الرائع في تبعيته، متدثراً بـ “تقية الممانعة” وشعارات الدولة القومية والاشتراكية الفارغة. وبموجب هذه السياسة، حافظ النّظام عمداً على أزمة العشوائيات حول العاصمة والحواضر السّورية الكبرى، وعمّق الشرخ البصري والطبقي بينها وبين أحياء المدينة الغنية، المنظّمة، والأنيقة. لم يكن هذا الفرز عمرانياً فحسب، بل شحنه النّظام ببعدٍ طائفي مبطن، عبر تغذية سردية تزعم أنّ هذه الأحياء المترفة هي حكرٌ تاريخي لأبناء المدن، مقابل إبقاء سكان العشوائيات في حالة حرمان مادي وثقافي مقصود، ولون طائفي معيّن.

لقد أراد النّظام لهذه السياسة الخبيثة أن تبقي الجمر متقداً تحت الرماد؛ حيث يُستغل هذا الاحتقان الطبقي والطائفي خزان عنف جاهزاً للاستدعاء عند الحاجة. وهذا تماماً ما باشره الأسد الابن إبّان انطلاق الثورة السورية ضده؛ فحرك النظام مجموعات تمت تعبئتها من أبناء محيط المدن (العشوائيات)، مستخدماً إياهم أداة قمع خشنة لتصفية حسابات اجتماعية وسياسية تاريخية، وليثبت -بذات العقلية المشوّهة لذلك المسؤول- أن جدار التّمدُّن يجب أن يُهدّم كاملاً لتسود العشوائية بالبندقية.

الأسد الأب قذف أبناء الريف من قراهم ليكونوا أحزمة بؤس حول المدن، والأسد الابن استخدمهم أدوات قمع لصالح الكرسي؛ لم ينالوا من “نظام الأسدين” تمديناً ولا كرامة، بل جرى تحويلهم إلى وقود حرب رخيصة. لقد أعادهم النّظام إلى قراهم ونعوشهم الخشبية جنائز بلا نهاية، وتُرك من تبقى منهم غارقاً في قاع فقر وأمية وبؤس أشدّ عمقاً، لتظل “عقدة المدينة” تلاحق جينات أبنائهم كلعنةٍ معلقة. ولم تقتصر اللعنة على أحزمة الفقر، بل امتدت لتلتهم الحواضر التاريخية العريقة نفسها؛ فقُصفت المدن بالبراميل وهُدمت الحواضر فوق رؤوس أهلها، ليتحوّل المشهد السوري بأكمله في المحصلة إلى “عشوائية كبرى” محطّمة.

أمام هذا الركام الشامل، تبرز المعضلة الأكبر التي يقف أمامها “العهد الجديد” في سوريا؛ إذ لا تقتصر التركة الثقيلة على إعادة إعمار الحجر أو إنعاش الاقتصاد المنهار، بل تكمن في تفكيك هذه “الألغام السوسيولوجية” والديمغرافية المتفجرة. إنّ السّؤال الوجودي المطروح اليوم على العهد الجديد هو: كيف سيتصرف حيال هذا الإرث الكارثي؟ كيف يمكن أن يعيد بناء مفهوم “المواطنة” والتّمدُّن في وعي جيلٍ نبت في بيئة أُقيمت على أنقاض القانون؟

إنّ التحدي لا يكمن في هدم العشوائيات الفيزيائية فحسب، بل في هدم “عقلية العشوائية واستسهال الأمر الواقع” التي زرعها نظام الأسد في بنية البيروقراطية السورية. ولن تنجح أي محاولة للإنقاذ ما لم يتمّ إغلاق ذلك “الباب المشؤوم” الذي فُتح يوماً بين غرفة النوم والحظيرة، لإعادة بناء جدار التّمدُّن السوري على أسس العدالة الحقيقية، والتنمية الريفية المستدامة، وسيادة القانون المدني؛ وإلا فإنّ الجمر سيبقى متقداً تحت الرماد، بانتظار عاصفة أخرى.

شارك

مقالات ذات صلة