آراء

حكاياتٌ عن الثورة: شهادةُ صحفيةٍ مصرية

فبراير 10, 2026

حكاياتٌ عن الثورة: شهادةُ صحفيةٍ مصرية

في يناير من كلّ عام، أتحين الوقت لتوثيق شهادتي هذه؛ شهادةِ صحفيةٍ مصريةٍ، سجلتها صوتًا وصورة في توثيقٍ لن يموت أبدًا لأيام بطولات المصريين وانتفاضتهم لأجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ليسطروا بدمائهم وأعمارهم وحريتهم ملحمة حقيقية في ثورة شعب مسالم طيب على الاستبداد والفساد والقمع.

الحادي عشر من فبراير ٢٠١١، كان ظهوريَ الأول في القاهرة منذ اندلعت ثورة الخامس والعشرين من يناير. لم أكد أصدق أنّ كلماتيَ الأولى على سطحٍ تحت الإنشاء  في الدور الرابع عشر في البناية الشاهقة، حيث كان مكتب هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي سأوثق بها التاريخ لبلادي! ابتدع فريق الإعداد والإخراج منصة بسيطة على عارض خشبي يستند إلى برميلين فارغين أعتليه، وتعتلي زميلتي في القسم الإنجليزي ليز دوسيت مثله لتؤرخ كلانا جنبًا إلى جنب للأيام بدءًا من الحادي عشر من فبراير ٢٠١١، وما تلاه من أسابيع غيّرت وجه الشرق الأوسط من مصر. حاورت رجال وسيدات السياسة والاقتصاد والفقهاء الدستوريين وصناع القرار، السابقين واللاحقين على هذا العارض البدائي. الهدف الفني الإنتاجي كان بانوراما لميدان التحرير من ورائي في خلفية الشاشة ثبّت وجهيَ مطبوعا في وجدان المشاهد المصري والعربي لعقد ونصف امتد تاليًا لصوتي، الذي بدوره انطبع في الأذهان منذ التحاقي بالصحافة المسموعة ثمّ المرئية قبل ربع قرن

كدت أسمع صوت اصطكاك أسناني بردًا وحماسًا للحظة الفارقة في عمري المهني والوطني. سبق الخبرَ صراخُ الميدان والزغاريد لتزف لي قبل المراسلين أنّ المراد قد تمّ، وأنّ مبارك قد رحل. قضيت قبلها الثمانية عشر يومًا منزرعة في استوديو الأخبار في لندن أتناوب في التغطية لأكثر من ست عشرة ساعة يوميًا مع الزميلين زين العابدين توفيق وعمرو عبد الحميد. على الأرض في القاهرة، استبسل الزميل المراسل خالد عز العرب لنكون ثنائيًا أعتز به لتغطية الثورة أحدث فارقًا جبارًا في شخصية وصحافة كلينا لسنواتٍ تلت التغطية

قبلها بأيام انفردت والزميل المنتج تامر عبد الوهاب بأول لقاء على الإطلاق مع رئيس الوزراء المصري الفريق أحمد شفيق، المستبدل بسابقه آنذاك. كان لقاءًا مباغتًا ومفصليًا جدًّا؛ انبرى فيه شفيق ردًّا على ٬أسئلتي اللحظية وعلى الهواء مباشرة في تفنيد ونفي جُلّ ما كان نصف الشاشة الآخر يؤكده للعيان بالصور الحية من مشاهد العنف والوحشية في قمع المتظاهرين السلميين، لتنفضحَ الأكاذيب السلطوية وتسقط الرواية العرجاء للنظام البائد عيانًا بيانًا لملايين العيون التي أقسمْتُ طوال سنوات عملي بالوفاء لها وبالصدق معها

قبلها كانت لقاءاتي ومحاوراتي وزملائي معأعيانوأبواق النظام القديم تسجل هدفًا للثورة والثوار في كلّ مرة. لم أؤمن أبدًا أنّ أحدًا فوق المساءلة، ولم أتبنّى الانحياز لأيّ طرفٍ إلا في القضايا الحقوقية والقانونية والإنسانية وتلك المتعلقة بالتعذيب والاتجار بالبشر وجرائم الحرب وغيرها من الجرائم الإنسانية التي لا يستقيم معها الحياد السلبي ولا التدليس بإضعاف الحوار خشية على منصبٍ مستقبلي أو لتفادي حرقٍ للجسور وهو منهاج للأسف أصبح ديدن بعض الزملاء ممكن خانوا أمانة الكلمة ترغيبا أو ترهيبا

ثمّ جاءت موقعة الجمل. الاسم وحده يشي بالهمجية التي مورست يومها، لكن المشهد كان راسخًا كالوشم، دمويًا، مشحونًا برائحة البارود والعرق والاستبسال. لم تكن جمالًا، بل كانت دولة فاسدة كاملة تقدم على دهس أبنائها بحوافر الحقد والخوف من الحساب. شاهدت على الشاشة و ساءلت ضباطًا من رتبٍ كبرى في الداخلية والجيش عن خيولٍ وجمالٍ تقتحم الميدان كخيول الفرنسيس في الأزهر، ثبتّتُ صوتًا وصورة رجالًا يحملون العصي والسيوف، ووجوهًا لم أكن أحتاج إلى تعريفها لأدرك أنّها تنتمي إلى زمن آفل يرفض الاعتراف بسقوطه. لحظة التوحش التي تسبق الانهيار.

في تلك اللحظات، لم أكن مجرّد صحفيةٍ تنقل خبرًا. كنت شاهدةً على صراع بين سرديتين؛ سردية شعب قرر أن يكتب مصيره، و سردية سلطة قررت أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء ولو فوق أجساد الشعب. الكلمات كانت تخرج من فمي موزونة بميزان شديد الحساسية، لأنّ كلّ حرفٍ قد يهدئ أو يؤجج، يواسي أو يفضح. لم أكن أمتلك ترف الخطأ.

استقبلنا في فبراير في الدور الرابع عشر وخلفنا ميدان التحرير ضباط شرطة سابقين وحاليين، محللين عسكريين، وفقهاء دستوريين، وأعضاء من المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى السلطة عقب تنحي الرئيس. كانت اللقاءات اختبارًا حقيقيًّا لفكرة المساءلة. لم أكن أبحث عن صدامٍ مجاني، بل عن حقيقة. كنت أطرح السؤال كما ينبغي أن يُطرح؛ مباشرًا، محددًا، خاليًا من التملق أو التصيُّد. كيف حدث هذا؟ من أعطى الأوامر؟ من يحمي المتظاهرين؟ ومن يحاسب المعتدين؟ بعض المسؤولين الخاشين من عودة النظام اختار لغة الإنكار لعل وعسى. آخرون احتموا بعباراتٍ فضفاضة عنالظروف الاستثنائيةوالمؤامرات الخارجية“. كنت أرى في عيونهم ارتباكًا لم تعتده الشاشات المتلفزة. لأول مرة من بعد حرب العراق، استبسلت الصحافة آبية أن تكون مجرّد منصة لإعادة إنتاج السلطة، بل مساحة مساءلة علنية. كان الهواء مشحونًا، ليس فقط في الميدان، بل في كل استوديو تُطرح فيه الأسئلة التي طال تأجيلها.

لم تكن الثورة خطًّا مستقيمًا. كانت منحنيات حادة، وانكسارات، وآمالًا تتجدد ثم تُختبر من جديد. رأيت بعيني وشاء قدري أن أعلن بلساني وأسئلتي وصحافتي وزملائي كيف أعلن حكام ما قبل الربيع العربي تنحيهم أو سقطوا أو فروا الواحد تلو الآخر. من تونس إلى مصر إلى ليبيا واليمن، بدا وكأن جدار الخوف يتشقق في أكثر من عاصمة. لكنني، بحكم مهنتي وقراءتي للتاريخ، كنت أعرف أنّ سقوط الرأس لا يعني بالضرورة تفكيك الجسد. كنت خائفة برغم الثبات الانفعالي على الهواء. وصدق حدسي للأسف.

الدولة العميقة ليست شبحًا أسطوريًّا؛ هي شبكةُ مصالح، ومؤسسات، وثقافة سياسية ترسخت لعقود. لذلك لم أتعامل مع تنحي أو إطاحة أي حاكم بوصفه نهاية القصة، بل بداية فصل جديد أكثر تعقيدا. السؤال لم يكن فقط: من يرحل؟ بل: ما الذي يبقى؟ ومن يعيد إنتاج نفسه بثوب مختلف؟ طرحت هذه الأسئلة مبكرا. وأصبت في ذلك. على المستوى الشخصي، كانت تلك السنوات مختبرا قاسيًا لضميري. تلقيت سيلًا من الرسائل، بعضها داعم، وبعضها غاضب، وبعضها يحمل تهديدًا مبطنًا أو صريحًا. تعلمت أنّ الصحافة ليست مهنة لمن يبحث عن الراحة. هي اختيار يومي للوقوف في منطقة راسخة بين السلطة والناس، مع انحياز واضح لحقّ الناس في المعرفة، وإيصال صوتهم ومساءلتهم وحقهم لكل مسؤول مهما ظنّ أنّه فوق المساءلة والحساب.

كنت أعود إلى البيت أحيانًا مثقلة بصور الضحايا وأصوات الأمهات. وأعود في اليوم التالي لأجلس أمام الكاميرا وكأنّني أبدأ من جديد. لم يكن ذلك انفصامًا، بل التزامًا. المشاعر حفظتها في القلب، لكن الأسئلة رسختها في العلن. وإذا اختلط الاثنان، ضاعت الحقيقة في زحام العواطف.

اليوم، بعد أكثر من عقد ونصف على تلك اللحظات، أستطيع أن أقول إنّ الثورة لم تكن حدثًا عابرًا في مسيرتي، بل نقطة تحوّل في وعيي المهني. علّمتني أنّ الكلمة قد تُربك جنرالًا، وأن سؤالًا جيدًا قد يهز روايةً رسميةً كاملة، وأنّ الصحفية، مهما بدت وحدها أمام الكاميرا، تقف في الحقيقة على كتفي جمهور واسع يثق بها. ليست شهادتي محاولة لتجميل الماضي أو لتأبينه. هي تذكير بأنّ ما جرى لم يكن وهمًا جماعيًّا، بل تجربة تاريخية حقيقية، بإنجازاتها وإخفاقاتها. وأنّ جيلنا، سواء اختلف أو اتفق، عاش لحظة نادرة رأى فيها الحاكم يُسأل، ويُحاسَب أمام الصحافة، ويُجبر على الرحيل. الحمد للّه ثبتُ احترام الصحافة كما التزمت لها.

التاريخ لا يُكتب على منصات فخمة فقط. أحيانًا يُكتب على عارضٍ خشبي يستند إلى برميلين فارغين، فوق سطح تحت الإنشاء يطلّ على ميدان يغلي. وهناك، بين برد فبراير وحرارة الهتاف، تعلّمت أنّ الصحافة ليست مجرّد نقل للوقائع، بل مشاركة في صناعة الوعي. والوعي، مهما تعثر، لا يموت أبدًا. وأنّ الدوائر حتمًا في النهاية تدور على الباغي، مهما استقامت له أيام.

 

شارك

مقالات ذات صلة