مدونات
هبة أبو غليون
في زمنٍ تتبدّل فيه الثوابت وتُعاد صياغة المفاهيم، يطلّ مشهد غير مألوف في الوعي السوري؛ سوريون يرون في إسرائيل احتمالاً للخلاص. هكذا تتحوّل الهوية من انتماءٍ إلى طوق نجاة، ويغدو الاحتلال في بعض الزوايا ليس عدواً، بل ملاذاً أخيراً، هذا التحوّل كشف عن انقسام حاد في الشارع السوري تمثّل في فئة أولى متمسكة بموقفها التاريخي، ترفض أيّ شكلٍ من أشكال التطبيع، وتعتبر مجرّد طرح الفكرة خيانة، ليس فقط للإنسان بل لكلّ زيتون حاول الإثمار من جديد.
لكن المسار يختلف مع الفئة الثانية، فكانت براغماتية ترى أنّ السياسة فن الممكن، وأنّ الخروج من النفق المظلم يمرّ عبر بوابة الرضا الغربي والذي لا يتحقق إلا عبر تقاطع المصالح مع إسرائيل. ولنقل إنّنا التزمنا باتفاقية ما يسمى بالسلام، ثمّ اتبعنا أصحاب الفكر النفعي، وعقدنا الصلح مع الأعداء ومزقنا صفحات امتلأت بأسماء الشهداء، لنخمّن: ماذا سنرى؟ سنرى ما رأيناه سابقاً في التاريخ، قدم البلاد موضوعة على لغم، ما إن رفعتها أضحت البلاد أشلاءً بلا قيم أو تاريخ أو انتماء، ترضخ جاثية أمام محتل أرسى سفنه على شواطئنا، ثمّ أقنعنا بأنّنا لولا سفنه ما استطعنا العبور، ونحن نسينا أنّ البحر لنا لأنّنا نريد فقط اللحظة الراهنة، وما بعدها يبقى لحينها. ونريدها أن تأتي كما هي، لا كما يجب علينا أن نعمل من أجلها.
أما التحوّل الحقيقي في القيم يظهر في الفئة الثالثة التي باتت تنظر إلى إسرائيل كمنقذ محتمل من السلطة القائمة، متجاهلة تاريخاً من العداء والدماء، ومعتبرة أنّ أيّ قوةٍ قادرة على انتشال البلاد من أزماتها تستحق الرهان.
لكن لنقف هنا؛ لو أنّنا نملك نافذة على المستقبل لرأينا حال من استنجدوا بإسرائيل اليوم كحال أولئك الذين سبقوهم. منهم من حصل على ما يريد سريعاً وهلل للانتصار المزعوم، لكن ما لبث السرور أن تبدّل لخيمة عزاء إذ لاقى المنتصر حتفه، وبقي سنده خلفه يمرر عينيه على فريسة جديدة، فريسة تائهة يستخدمها ويرميها لتلقى مصرعها وحيدة. فالأمر من البداية لم يكن لغرض النجدة بل لغرض الاستغلال فهل من مبصر ؟
لكن هذا الانقسام لا يعبّر فقط عن تباين في الرؤى، بل يهدد بتفكيك القيم الوطنية ويضع المجتمع أمام خطر فقدان بوصلته التاريخية، خاصة أنّ إسرائيل ما زالت تحتل أرضاً سورية وعربية وترتكب جرائم بحق الشعب الفلسطيني وتشكل تهديداً وجودياً للهوية والسيادة.
وهل هذا يعني أن الأجدر بنا الثبات على مواقفنا؟ وهل نحن قادرون على تقرير مصيرنا؟ إن كنا سوريين حقاً، فنعم نحن أصحاب القرار. من يقرّر عنّا عليه أن يعمل عملنا بإخلاص وأن يثابر لبناء البلاد؟ الثمن ليس فقط فاتورة كبيرة من الأرواح بل يبدأ من غرسة مخلصة، فتلك هي سند سوريا ولا أحد غيرها.
والحل يبدأ بالاعتراف بوجود الظاهرة، ثمّ ترسيخ التضامن بين أفراد المجتمع، فلا نجاة لسوري إلا على يد أخيه السوري ولو اختلفت الآراء، وذلك عن طريق مبادرات ميدانية وإعلامية تعيد بناء الثقة والانتماء، خصوصاً في المناطق التي تنتشر فيها نزعات التعلق بالخارج.
أما من رسخ عنده أنّ إسرائيل حليف، فيجب أن يُواجه بموقف شعبي حازم؛ حيث القطيعة المجتمعية هنا ليست انتقاماً بل دفاعاً عن الوعي الوطني. كما يجب أن تغدو دور العلم حقولاً لزرع قيم الانتماء للوطن وأنّ التطبيع ليس موقفاً سياسياً متبدلاً بل مبدأ متجذراً في وجدان السوريين، يعكس هوية لا تقبل التزييف. فسوريا وطنٌ مشترك لا يُبنى على الأوهام ولا يُستعاد بتبديل مكانة الأعداء إلى حلفاء.

