مدونات
بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، وجدت المؤسسة الأمنية الوليدة نفسها أمام تحديات كبيرة. فعلى المستوى المحلي كثرت الأيدي العابثة بالأمن من فلول النظام الساقط، وخلايا تنظيم الدولة وشبكات الجريمة المنظَّمة وتصنيع المخدرات والاتجار بها، وتهريب السلاح، فضلاً عن المليشيات الانفصالية التي رأت في إفشال الدولة الجديدة هدفاً لتبرير وجودها. وأمّا على المستوى الدولي، فقد اكتظت سوريا بتدخلات بعض القوى الإقليمية أو تدخلات بعض القوى التي اضطرت لسحب قواتها بعد سقوط النظام، فاستعاضت عن تلك القوات بالعمل الاستخباري، مثل إيران وحزب الله اللبناني.
وهكذا، كان على أجهزة الأمن العمل وسط بيئة اجتماعية محتقنة أيما احتقان، تتعالى فيها دعوات الثأر من ناحية، ودعوات الانفصال والفدرالية من ناحية ثانية، كل هذا وقد ترسَّخت في الذاكرة الجمعية في المجتمع أسوأ صورة لأجهزة الأمن، حيث ارتبط مفهوم الأمن بالتعذيب والتنكيل والإذلال، فضلاً عن الفساد والرشوة والمحسوبيات.
رغم هذه التحديات الكبيرة أبلت الحكومة الجديدة بلاءً حسناً في الجوانب الأمنية كافة، سواء في ملاحقة شبكات الجريمة المنظمة أو تفكيك فلول النظام البائد وإفشال الكثير من محاولات تفجير المجتمع السوري، وباءت معظم محاولات تنظيم الدولة لزعزعة استقرار الدولة السورية بالفشل، حيث حاول التنظيم مراراً تنفيذ تفجيرات تستهدف الأقليات، لتأجيج النعرات الطائفية وتأليبها على الدولة، واتهامها بالتقصير في حمايتهم، كما حيدت أجهزة الأمن من عمل إيران وحزب الله اللبناني واستخباراتهما، بعد مدة طويلة من استقرارهما في سوريا وتغلغلهما في أجهزة الدولة وبعض الأوساط الاجتماعية.
ونجحت المؤسسة الأمنية الجديدة في إنقاذ سوريا ومحيطها الإقليمي من خطر المخدرات، بعد أن حوَّل النظام البائد سوريا إلى عاصمة للكبتاغون على مستوى العالم، تصنيعاً وتهريباً، ففككت الكثير من مصانع الكبتاغون واعتقلت العديد من التجار، وانحسرت هذه الصناعة في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، وكذا تهريب السلاح والاتجار فيه، حيث تلاشت المظاهر المسلحة واقتصر حمل السلام على أفراد المؤسسة العسكرية والأمنية، في بلادٍ تعج بالسلاح.
وخلال السنة الماضية عملت المؤسسة الأمنية على إعادة الوجه الإنساني للبيروقراطية الأمنية، عبر تحسين وأتمتة تقديم الخدمات المنوطة بها، من إصدار جوازات السفر وإدارة المعابر الجوية والبرية والبحرية وإدارة السجون والتعامل مع السجناء، وانتقل التعامل مع المظاهرات من وسائل القمع والقتل والترهيب في عهد النظام البائد إلى حماية المظاهرات والمتظاهرين، أياً كانت شعاراتهم وهتافاتهم.
تمثِّل هذه الأعمال إنجازات كبيرة لا يُستهان بها، ففي العراق مثلاً بقي الاضطراب الأمني سيّد الموقف لسنوات بعد احتلال العراق وسقوط نظام صدام حسين، ولم تشهد ليبيا استقراراً مماثلاً حتى اليوم بعد سنوات من سقوط نظام القذافي، وما تزال الصومال غارقة في الفوضى والانقسامات منذ تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار نظام سياد بري.
المقاربة الأمنية لهذه التحديات تبقى قاصرة عن تحقيق الأمن المستدام، إذا بقيت وحيدة دون تضافر جهود أخرى على المستوى التعليمي التربوي والتعليم الديني والثقافي والاهتمام بالشباب، إذ إن مصادر الجريمة على اختلاف أنواعها يعود معظمها إلى الانهيار الاجتماعي، وعجز المؤسسات الاجتماعية، من الأسرة والمدرسة والمسجد، عن الاضطلاع بمهامها، كما أنّ الظلم والجهل هما الأبوان الشرعيان للانحراف الفكري والإرهاب.
من هنا يمكن القول إنّ أيّ توسع في التوقيفات بلا مسارٍ قضائي واضح وشفاف يفتح باب المظلومية ويمنح خصوم الدولة وقودًا دعائيًّا، فوزارة العدل والقضاء ليستا تابعتين للأمن، بل هما شرط شرعيته، ومتى غاب الشرط سقطت الثمرة مهما كثرت العمليات.
لقد انهارت البنى الاجتماعية في سوريا تحت وطأة الفقر والبطالة، ووقع الشباب فريسة للمخدرات، ولمؤسسات النظام العسكرية والأمنية، التي كانت تسوقهم إلى معاركه ليتحوّلوا إلى مجرمين أو ضحايا، وعملت هذه المؤسسات على تشويه الدين وإبعاده عن الحياة العامة، لتبتعد معه الأخلاق والقيم. ولا بدّ من العمل الدؤوب لكافة فعاليات المجتمع والدولة لرأب الصدع، والتكامل مع المؤسسات الأمنية.
إذن، لا بد للمجتمع بأكمله أن يحمل الأعباء التي تتولاها المؤسسة الأمنية من باب الوقاية، كما تتولى المؤسسة الأمنية العمل من باب العلاج، فتتولى وزارة الأوقاف عبر المساجد والمؤسسات التعليمية ترسيخ الدين والقيم الصحيحة في قلوب وعقول الأفراد، لسد باب التطرف، كما تتولى المدارس محو الأمية وتنوير العقول، حتى لا يُترك الشباب للجهل، فيصبحوا لقمة سائغة للغلو أو الخرافات أو التفريط. وقبل هذا يجب أن تعود مؤسسات الدولة إلى مهامها الحقيقية في إقامة العدالة ورعاية المجتمع، دون تسلط ولا ظلم ولا تعسف، فهذه منابت الجريمة الاجتماعية منها والسياسية.
والدور ذاته منوط بمؤسسات الثقافة والرياضية والإعلام وغيرها من المؤسسات الاجتماعية التي يوكل إليها رعاية الأنشطة والفعاليات التي تجمع الشعب السوري بمختلف مكوناته وتقلل من حدة الشحن الطائفي وترمم الثقة بين أفراده وتعيد تعريف “الآخر” كشريكٍ في الوطن بما يعالج هشاشة المجتمع ويغلق أبواب تجنيد الجريمة والتطرف.
لقد حقّقت المؤسسة الأمنية في الدولة الجديدة إنجازات كبرى، لكن، على خلاف غيرها، لا يمكن قياس هذه الإنجازات بما نراه، وإنما بما لا نراه من تفجيرات أو جرائم أو تجاوزات، كانت ستقع لو لم تؤدِّ هذه المؤسسة مهامها على أكمل وجه، وتبقى هذه النجاحات مهدّدة إذا لم تتضافر مع جهود الدولة والمجتمع، فلا فائدة من تشييد السجون مهما كانت جيدة الإدارة وحسنة التعامل، طالما استمر المجتمع وظروفه برفدها بالسجناء.

