مدونات

سوريا بين ليل الاستبداد وفجر الحرية

فبراير 2, 2026

سوريا بين ليل الاستبداد وفجر الحرية

هبة محمود رنّو

 منذ أن سيطر آل الأسد على كرسيِّ الحكم، تحوَّل الوطنُ إلى مسرحٍ للظَّلام، تُطفأ فيه كلُّ شمعةِ نورٍ قبل أن تُشعل، ويُربط فيه كلُّ لسانِ إنسانٍ قبل أن ينطق. بنَوا عروشَهم على الظّلم والخوف، وجعلوا من المخابراتِ آذاناً تَتَصنَّت وعيوناً تَتربَّص بالناس في بيوتهم ومساجدهم ومدارسهم. 

لم تكن سوريا في ظلِّ حكمهم وطناً يحتضن أبناءَه، بل سجناً كبيراً تُكسَر فيه الأجنحة، ويُدفن فيه الصوت قبل أن يبلغ الحنجرة. سنواتٌ كثيرةٌ لا يعرف فيها السوري إلا لغةَ الصّمت، فالكلمةُ الحُرّةُ جريمة، والاعتراضُ خيانة، والحُلمُ في المستقبل جريمةٌ كافية لترمى في ظلام السجون. امتلأت الأرضُ بقبور الشهداء، والسماءُ بصَرَخات المعتقلين، والبيوتُ بدموع الأمهات بعد أن ابتلع الجَلاءُ أبناءَهم. 

هكذا عاش السوريون نصف قرنٍ من الظلم والاستبداد، ينتظرون فجرَ الحرية الذي يُبدِّد هذا الليل الطويل. وها قد أتى اليومُ المنتظر… يومُ فجرِ التحرير، ليس يوماً يُسجَّل في أوراق التقويم وحسب، بل هو حُلمٌ ينام في قلوب السوريين منذ عقود، ويكبر مع كلِّ شَهقةِ حريةٍ قُمِعت، ومع كلِّ دمعةِ أُمٍّ ودّعت أبناءَها. 

يومُ تحرير سوريا من نظام الأسد كان اليومَ الذي تُكسَر فيه قيودُ نصف قرنٍ من الاستبداد، ويُعاد للوطن وجهُه المُشرق الذي حاول نظامُ الأسد الدكتاتوريُّ طمسه. لم يكن طريقُ السوريين نحو الحرية مفروشاً بالورود، بل مملوءاً بالدمع والدم والتضحيات. 

كلُّ بيتٍ في سوريا حمل حكايةَ شهيد أو معتقل أو لاجئ، لكن هذا الألم لم يُطفئ جذوة الأمل، بل زادها اشتعالاً. فقد أدرك الشعب أنّ ثمنَ الحرية غالٍ، لكن العيش بلا كرامةٍ أثقل على الروح من أيّ تضحية. لقد واجه السوريون آلةَ القمع بصدورٍ عارية، وحملوا رايات الحرية في الشوارع رغم الرصاص والاعتقال. وحين انكسر جدار الخوف، عرف العالم أنّ صوتَ الشعب أقوى من أيّ سلاح، وأنّ الحق لا يُهزم مهما طال زمن الباطل. 

إنّ تحرير سوريا لم يكن حدثاً عابراً، بل هو شهادةٌ على أنّ الشعوب قادرة على انتزاع كرامتها من بين أنياب الاستبداد، وأنّ الحرية حين تولد من قلب المعاناة، تكون أكثر رسوخاً وأبهى إشراقاً. وأيضاً لن يكون سقوطَ صنمٍ من قصورِ السلطة فقط، بل سقوطَ منظومةٍ كاملةٍ بُنيت على الظّلم والفساد والتمييز. إنَّه ولادةٌ جديدةٌ لسوريا. 

كان هذا اليومُ عُرساً وطنيّاً، رُفعت فيه راياتُ الحرية في دمشقَ وحلبَ وحمصَ وحماةَ ودرعا ودير الزور، وفي كلِّ مدينةٍ وقريةٍ عانت ودَفعت الثمن. يومَها قرَّر اللاجئون العودةَ إلى بيوتهم بعد حرمانٍ طال لسنوات، وفُتح السِّجنُ ليخرج المعتقلون مرفوعي الرأس، وعاد أملُ بناء سوريا من جديد على أساس العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. 

لم يكن يومُ التحرير حلماً بعيداً، بل قَدَرَ أمةٍ حيّةٍ لا تموت؛ أمةٍ تعلّمت أنّ طريقَ الحرية طويل، لكنّه يستحق كلَّ تضحية. أشرقت شمسُ سوريا من جديد، لا ليومٍ أو عام، بل لتاريخٍ كاملٍ يبدأ من جديد، عنوانُه: “هنا وطنٌ تحرّر، وهنا شعبٌ انتصر”. 

وُلدت سوريا من جديدٍ من رحمِ الألم ولادةً أخرى، كالعنقاءِ التي تنهض من رمادها. لن تكون مجرّد دولةٍ خارجةٍ من حرب، بل وطناً أعاد اكتشافَ نفسه بعدما كَسَر قيودَ الاستبداد. ستكون شوارعُها شاهدةً على فرحِ الناس لا على رائحة الدم، ومدارسُها منابرَ للعلم لا ساحاتٍ للخوف، وسجونُها خاليةً إلا من الغبار والصدأ. 

في سوريا الحُرّة، سيعود اللاجئُ إلى بيتِه مرفوعَ الرأس، لا يحملُ سوى مفاتيحَ قديمةٍ ودموعَ الفرح. سيخرج المعتقلون إلى ضوء الشمس، ليجدوا أنّ الحريةَ لم تَعُد حلماً، بل واقعاً يُعاش. ستُزرع في الأرض سنابلُ جديدة، وستُبنى البيوت على أساس العدالة، لا على ركام القصف. 

المستقبلُ الذي ينتظر سوريا هو مستقبلُ التعدّدية، حيث يتساوى الجميعُ تحت راية الوطن: عربيّّا كان أو كرديّّا، مسلماً أو مسيحيًّا، رجلاً أو امرأة. دستورٌ يحمي الكرامة، وقانونٌ يعلو على الجميع، ودولةٌ تُدار بالإرادة الشعبية لا بقبضةِ فردٍ أو عائلة. يومُ التحرير ليس نهايةَ الحكاية، بل بدايتَها. بدايةَ وطنٍ يكتب تاريخَه بيد أبنائه، ويُعيد لسوريا مكانَها بين الأمم، أرضاً للحرية، وبيتاً للعدالة، ومنارةً للأمل. لم يكن مجرّدَ انتصارٍ سياسي، بل سيكون عيداً للحرية والكرامة، ويوماً تستعيد فيه سوريا مكانها بين الأمم دولةً حرّةً، عادلةً، وموحّدة.

شارك

مقالات ذات صلة