مدونات
أسامة بسام الحسين
شكّلت العلاقة بين السلطة والمجتمع في سوريا لعقودٍ طويلة واحدة من أكثر القضايا إشكالية في الحياة السياسية والاجتماعية. فبدلاً من أن تقوم هذه العلاقة على الثقة والتكامل والتعاون، تعرّضت لتشويهٍ منهجي تحت حكم نظام الأسد البائد، الذي عمل على اختزال الدولة في شخص الحاكم وأجهزته الأمنية.
الأمر الذي شوّه وغيّب الحدود الطبيعية التي تفصل بين المجتمع ككيانٍ حي متنوع، وبين السلطة كمؤسسةٍ يفترض أن تدير الشأن العام، فتحوّلت العلاقة إلى علاقة استبداد وخضوع، لا إلى علاقة مواطنة وحقوق وواجبات. فمنذ استيلاء النظام السابق على السلطة، اعتمد سياسة قائمة على تهميش المجتمع وإقصائه من أيّ مشاركة حقيقية في القرار.
الأحزاب السياسية جرى تفريغها من مضمونها لتصبح مجرّد أدوات شكلية ضمن “الجبهة الوطنية التقدمية” التي لم تكن سوى واجهة للاستبداد. والنقابات العمالية والمهنية فُرضت عليها الوصاية الكاملة، ففقدت استقلاليتها وتحوّلت إلى أذرعٍ تابعة للحزب الحاكم، أمّا الإعلام، فقد حُرم من أبسط مقومات الحرية، وصار مجرّد بوق يكرّس عبادة الفرد ويكرّر خطاب السلطة.
وهكذا، تمّ عزل المجتمع عن مجالات الفعل السياسي، وأُجبر المواطن على لعب دور المتفرج المطيع، بينما كانت السلطة تتفرّد بكلّ تفاصيل إدارة الدولة. لقد ساهم هذا الواقع في ترسيخ ثقافة الخوف واللامبالاة، فالمواطن السوري لم يعد يرى في الدولة مؤسسة وطنية تعبر عنه، بل جهازاً قمعياً يراقبه ويقمعه عند أول محاولة للاعتراض. هذه الصورة المشوّهة ألغت الثقة المتبادلة، وحالت دون تطور حياة سياسية طبيعية، وأضعفت الانتماء إلى الدولة بوصفها كياناً جامعاً.
عندما ينقطع التواصل بين المجتمع والسلطة، يصبح الانفجار الاجتماعي والسياسي أمراً محتوماً، وهو ما عرفته سوريا لاحقاً حين هبّ الشعب مطالباً بحريته وكرامته. اليوم، وبعد أن طويت صفحة مظلمة من تاريخ سوريا مع سقوط النظام البائد والتحرير، تبرز أمام السوريين فرصة تاريخية لإعادة بناء هذه العلاقة على أسس جديدة.
فالتجربة المريرة التي عاشها الشعب لسنواتٍ طويلة تقدّم درساً واضحاً: لا يمكن لأيّ سلطة أن تستقر إذا قامت على القهر والإقصاء، ولا يمكن لأيّ مجتمع أن ينهض إذا ظلّ مقيداً ومصادر الإرادة. إنّ إعادة ترميم هذه العلاقة ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً ضرورياً لقيام دولة حديثة تستجيب لتطلعات أبنائها. إنّ الخطوة الأولى نحو علاقة إيجابية تكمن في إدراك السلطة الجديدة أنّ وظيفتها الأساسية هي خدمة المجتمع لا السيطرة عليه. وهذا يعني أن تُدار مؤسسات الدولة بروح الشفافية، وأن تُرسّخ قواعد القانون، وأن يُضمن مبدأ المحاسبة بحيث لا يكون أحد فوق القانون.
السلطة التي تتعامل مع المواطنين كشركاء، لا كأتباع، هي وحدها القادرة على كسب الشرعية الحقيقية والثقة الشعبية. في المقابل، فإنّ المجتمع السوري بحاجةٍ إلى استعادة دوره الطبيعي كشريكٍ فاعل في الحياة العامة. المشاركة الشعبية لا ينبغي أن تُختزل في الانتخابات فقط، بل يجب أن تمتد إلى مجالاتٍ أوسع: النقابات المستقلة التي تدافع عن حقوق أعضائها، والجمعيات الأهلية التي تساهم في التنمية المحلية، الإعلام الحر الذي يراقب أداء السلطة وينقل هموم الناس، والمبادرات الشعبية التي تعكس ديناميكية المجتمع.
بهذه الأدوات يتحقّق التوازن المطلوب بين السلطة والمجتمع، فلا تُختزل الدولة في السلطة، ولا يُترك المجتمع دون إطار منظّم يعبّر عن مصالحه. غير أنّ بناء علاقة إيجابية لن يكون ممكناً دون إعادة تأسيس الثقة المفقودة. هذه الثقة تحتاج إلى وقتٍ وجهد متواصل، فهي لا تُمنح بقراراتٍ سريعة، بل تُبنى من خلال أفعال ملموسة. على السلطة أن تثبت جديتها بالاستماع إلى مطالب الناس والاستجابة لها، وإطلاق إصلاحات حقيقية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وعلى المجتمع أن يمارس حقوقه بوعيٍ ومسؤولية، بعيداً عن الفوضى أو النزعات الإقصائية، لأنّ الحرية لا تنفصل عن المسؤولية. عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن حقوقه مصانة، وأنّ الدولة عادلة، تتجذر الثقة ويترسخ الاستقرار.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي والاجتماعي. فالمواطن الذي يعاني من الفقر والتهميش لن يكون معنياً بالمشاركة السياسية مهما ارتفعت الشعارات. لذلك، على السلطة أن تُترجم وعودها في سياساتٍ تنموية عادلة توفر فرص العمل، وتحسّن الخدمات، وتحدّ من الفوارق الطبقية. التنمية والعدالة الاجتماعية هما الركيزة التي تجعل العلاقة بين المجتمع والسلطة علاقة إنتاجية متوازنة، لا علاقة مطالبة وشكوى دائمة.
في الختام، يمكن القول إنّ العلاقة بين السلطة والمجتمع في سوريا مرت بمرحلة تشويه عميقة بفعل الاستبداد، لكنّها اليوم أمام فرصة تاريخية لاستعادة عافيتها. المطلوب هو عقد اجتماعي جديد يقوم على الحرية والمشاركة والعدالة، ويجعل من الدولة بيتاً جامعاً لكلّ السوريين. هذه العلاقة التشاركية، إذا كُتبت لها الولادة، ستكون الضمانة الحقيقية لاستقرار سوريا وازدهارها، وستحوّل تجربة المعاناة الطويلة إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل يليق بالشعب الذي دفع ثمناً باهظاً في سبيل كرامته وحرّيته.

