مدونات
محمد فرح
بعد تحرير حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، خرجت أصوات اختزلت الحدث بجملة: “التحرير أخذ ساعة فقط، وما كان يحتاج كلّ هذا”. وهو المنطق ذاته الذي يتكرّر عند الحديث عن سوريا عموماً، حين يُقال إنّ تحرير سوريا استغرق 11 يوماً. هذا الخطاب، رغم انتشاره وسهولة تداوله، منافٍ للواقع تماماً، ويُفرغ مفهوم التحرير من مضمونه الحقيقي.
التحرير لا يبدأ عند دخول قوة إلى حيٍّ أو مدينة، ولا يُقاس بعدد الساعات التي استغرقتها السيطرة النهائية. التحرير هو مسارٌ طويل وتراكمي، بدأ منذ 14 عاماً، ودُفع ثمنه دم قرابة المليون شهيد، إلى جانب ملايين المعتقلين والمهجّرين، وخسارات لا تُحصى على المستوى الإنساني والاجتماعي. واللحظة الأخيرة هي فقط إعلان النتيجة، وليست كلّ القصة.
الأخطر من اختزال الزمن، هو استغلال هذه المواجهات لركوب الترند، فكثيرون تعاملوا مع ما جرى على أنّه فرصة للظهور، لا حدث وطني وإنساني معقّد. تمّ تبسيط المشهد، وتفريغه من أبعاده، وتحويل الدم والتضحيات إلى عناوين سريعة، ومقاطع قصيرة، ومزايدات على وسائل التواصل الاجتماعي. ركوب الترند لا يحتاج فهماً ولا مسؤولية، لكنّه يُنتج وعياً زائفاً، ويُسيء للحقيقة، ويُحوّل القضايا المصيرية إلى مادةٍ استهلاكية مؤقتة.
عدم دخول الحكومة السورية إلى حيّي الأشرفية والشيخ مقصود لم يكن ضعفاً ولا تراجعاً، بل قراراً سياسياً وعسكرياً محسوباً، هدفه:
وهو منطق يغيب تماماً عن خطاب “الحسم السريع” الذي لا يرى سوى صورة النهاية.
ما جرى في حلب ليس استثناءً، بل نموذج مصغّر لما جرى في سوريا كلّها. سوريا لم تتحرّر في 11 يوماً، بل في 14 عاماً من الصمود، والخسارة، والتضحيات الثقيلة، والحديث عن السرعة هو محاولة لتجاهل الثمن الحقيقي.
اختزال التحرير بزمنٍ قصير، أو استثماره لركوب موجة التفاعل، هو إهانة مباشرة لكلِّ من دفع حياته أو عمره أو مستقبله ثمناً لهذه اللحظة.
التاريخ لا يُكتب بالترند، بل بالدم والذاكرة. التحرير لم يكن سهلاً، ولم يكن سريعاً، ولن يكون بلا ثمن، ومن أراد الإنصاف، عليه أن يرى القصة كاملة لا لقطة النهاية فقط.

