مدونات
حذيفة الدندل
في مقدمة “العبر”، يضع العلامة ابن خلدون يده على الجرح الأزلي للمجتمعات، معتبراً أنّ “العصبية” هي المحرك الأساسي للاستقرار، لكنّه يربط بقاء الدول وصيانة السلم الأهلي بإقامة العدل؛ فالظلم مؤذن بخراب العمران. وحين نسقط هذه المقاربة على الجسد السوري المنهك بعد عامٍ من التغيير، نجد أنفسنا أمام مفارقة مرعبة: “عمران” جديد يحاول النهوض، لكنّه يُبنى فوق ألغام موقوتة من الأحقاد المعلقة والعدالة العرجاء.
مضى عام منذ أعلن الفجر الجديد عن نفسه في دمشق، واحتفت الشوارع باعتقال رموز كبار من النظام السوري البائد. لكن، وبينما كانت الكاميرات تنقل صور القيادات خلف القضبان، كانت هناك “ظلال” تعود لتسكن الزوايا المظلمة في مدننا، ولا سيّما في شرقنا السوري. إنّها ظلال “الأذناب” و”الأمراء”؛ أولئك الذين لم تطلهم مقصلة القانون، فاستبدلوها بابتساماتٍ صفراء في شوارع دير الزور والرقة.
صلح الأقوياء.. ووجع الضعفاء.
أثار خبر “الصلح” الذي أعلنت عنه الحكومة الجديدة مع رجل الأعمال “محمد حمشو” غصة في صدور الكثيرين. هو صلح يبدو في ظاهره اقتصادياً لترميم ما دمرته الحرب، لكنّه في جوهره يكرّس فكرة “الإفلات من العقاب”. وفي المقابل، وبينما يُعتقل “دعاس” (رئيس فرع أمن الدولة السابق في دير الزور)، يظلّ السؤال قائماً: ماذا عن أدوات دعاس؟ ماذا عن المخبرين الذين كتبوا التقارير بدمائنا؟ وماذا عن أولئك الذين خلعوا “البدلة العسكرية” ليرتدوا ثوب “المواطن الصالح” فجأة؟
دير الزور، بطبيعتها العشائرية المتجذرة، لا تفهم السلم الأهلي كأوراقٍ تُوقع في الصالونات السياسية بدمشق. السلم هنا هو “دم” و”كرامة”. فالعشيرة التي فقدت أبناءها على يد شبيح من النظام أو أمير من “داعش” لا تكتفي برؤية “الرؤوس الكبيرة” تسقط، بل تنظر إلى جارها الذي كان يسوق أبناءها إلى الموت.
السجان والضحية: حين يكون البيت ساحة حرب.
أكتب هذا وأنا أستحضر تجربتي الشخصية كمعتقلٍ سابق لدى تنظيم “داعش”. اليوم، وأنا أفكر بالعودة إلى بيتي في دير الزور، تصله الأنباء التي تجمّد الدماء في العروق: “فلان الذي كان أمنياً مع داعش موجود الآن في الرقة”، و”علان شوهد في مدينة دير الزور على شرفة منزله”. هؤلاء ليسوا مجرّد أسماء، بل هم “أمراء” وسجّانون كانوا بالأمس القريب يقررون مصير أرواحنا بدم بارد وباسم الدين، واليوم يظنّون وهم الساذجون أنّ الدم يصير ماء، وأنّ الشعب ينسى مصابه بحلق لحية أو ابتسامة هنا وهناك.
كيف لي أن أعود إلى حارتي لأجدن ربما سمان الحي أو جاري في الشارع هو ذاته من كان يرتدي اللثام ويجلد ظهري؟ إنّ السجّان السابق الذي يعرف تفاصيل إجرامه، لن ينظر إلى السجين السابق كجار، بل شاهد حي على عاره وإجرامه. سيتربص به، سيخشى نطق الحقيقة، وسيظل السلاح مخبأً تحت العباءة تحسباً للحظة المواجهة. هذا التماس المباشر بين الجلاد والضحية في غياب “سيف الدولة” العادل هو الوصفة المثالية لانفجار السلم الأهلي.
داعش والنظام: وجهان لعملة واحدة.
الوضع الاجتماعي في سوريا اليوم، بعد عامٍ من انتهاء المعارك الكبرى، يشبه الأرض السبخة. “أذناب” النظام الذين استثمروا في دماء الناس يجدون اليوم في “البيروقراطية الجديدة” ثغرات للتخفي. وبالموازاة، نجد مقاتلي وأمراء “داعش” الذين حلقوا لحاهم وغيّروا نمط لباسهم، يسرحون ويمرحون تحت سمع وبصر جهاز الأمن العام الجديد.
إنّ صمت الدولة عن هؤلاء، رغم معرفتها بسجلاتهم الإجرامية، وبعضهم قالها بالفم الملآن: الأمن العام قالوا له ما عليك شي! يرسل رسالة خطيرة للناس: “الدولة لن تأخذ حقكم، فخذوه بأيديكم”. وهنا تكمن الطامّة الكبرى؛ فتح الباب أمام “الحالات الفردية” وتعزيز مفهوم “الثأر” الذي سيعيدنا عقوداً إلى الوراء.
العدالة الانتقالية: الممر الإجباري.
إنّ السلم الأهلي في سوريا لن يتحقق بـ “تبويس اللحى” أو بقرارات عفو عام تشمل المجرم والضحية في سلةٍ واحدة. نحن بحاجةٍ إلى “عدالةٍ انتقالية” حقيقية، تبدأ بالمكاشفة والمحاسبة ثمّ جبر الضرر.
ابن خلدون يؤكد أنّ “العدوان على الناس في أموالهم ودمائهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها”. وإذا لم تشعر فئات واسعة من السوريين، وخاصة في المناطق العشائرية كدير الزور، بأنّ الدولة قد أخذت بزمام الأمور وحاسبت “الأذناب” قبل “الرؤوس”، فإنّنا مقبلون على دوامةٍ جديدة من سفك الدماء.
على الحكومة السورية الجديدة أن تدرك أنّ “هيبة الدولة” لا تُبنى بالاعتقالات الانتقائية للرموز فقط، بل بفرض القانون على كلّ من تلطخت يده بالدم، سواء كان يرتدي بذلة رسمية أو لثاماً أسود. إنّ غض الطرف عن المجرمين الصغار هو في الحقيقة زرع لبذور “حرب أهلية” قادمة، وقودها الثأر الشخصي الذي سيعجز أيّ جيشٍ عن إطفائه إذا ما اشتعل.
يا سادة.. السلم الأهلي هشّ بما يكفي لكسره بابتسامةٍ مستفزة من سجّان سابق لضحيته في سوق عام.. فلا تتركونا لسكاكين جيراننا “المجرمين”، بل اجعلوا القانون هو السكين التي تقطع دابر الفتنة قبل فوات الأوان.

