مدونات

حياة على خيط خيمة رفيع

يناير 6, 2026

حياة على خيط خيمة رفيع

أسماء البري

في سوريا الجديدة، وبعد أن صمتت أصوات القصف وارتدت المدن ثوب الحياة من جديد، يظلّ شمال البلاد يعكس صورة مختلفة تمامًا. هنا، في سهول المخيمات المترامية، لا بيوت تلوح في الأفق، ولا أثاث يملأ الغرف، ولا ممتلكات تحكي قصة حياة. كلّ ما يملكه آلاف المدنيين هو خيمة رقيقة، وخيط يربطهم بالعالم الخارجي، وخوف دائم من القادم.

الخيام تمتد على مساحات شاسعة من الأرض العارية، تتمايل تحت الرياح، وتختبئ تحت الغيوم الثقيلة، كأنّها أجنحة هشّة لطيور لا تقدر على الطيران. داخلها، حياة متواضعة على فرش رقيقة، وبطانيات قديمة، وأشياء معدودة جدًا تكاد تكفي لتغطية العري والبرد. الأطفال يختلط صوت ضحكاتهم مع صرير الخيام، وكأنّ اللعب نفسه أصبح تحديًا في فضاءات ضيقة لا تعرف الأمان.

الشتاء هنا ليس موسماً فقط يأتي ويذهب مع الريح، بل تهديد مستمر للحياة. البرد يتسلل عبر خيوط الخيام، ينخر العظام، ويزيد من وطأة نقص الطعام والدفء. أمراض الشتاء تنتشر بسرعة، والأطفال وكبار السن هم الأكثر عرضة. كلّ يومٍ هو اختبار جديد للصمود، رغم أنّ المدن المحيطة بدأت تعود إلى حياتها الطبيعية، والأسواق تضج بالحركة، والشوارع تتزين بالألوان بعد سنوات من الخراب.

المأساة الحقيقية تكمن في الشعور الدائم بالفراغ وفقدان الملكية. لا منازل، لا أرض، لا متجر، لا قطعة أثاث تذكّر الناس بأّن لهم مكانًا خاصًا في هذا العالم. كلّ ما يملكونه هو الخيمة، وكل ما يفصلهم عن العدم هو خيط رفيع. هذا الخيط يصبح رمزًا للمعاناة، لكنّه أيضًا الشريان الوحيد الذي يبقيهم متصلين بالحياة، حتى لو كانت حياة على هامش الوطن.

الجانب النفسي للحياة في المخيمات أكثر قسوة من الظروف المادية. الأطفال يكبرون بين خيام لا تقيهم من الرياح، والأرض العارية تصبح ملعبًا للفراغ والخوف. الكبار يعيشون تحت وطأة انتظار دائم، لا لمستقبل مشرق، بل لأبسط أشكال الأمان.. يوم يمكنهم فيه تأمين الطعام، أو دفء يكفي لعائلة واحدة، أو لحظة استراحة قصيرة من الواقع القاسي.

مع ذلك، وسط كلّ هذا الألم، يظهر جانب من الإنسانية والتضامن، السكان يتقاسمون القليل من الطعام والدفء، يحاولون خلق شعور بالاستقرار في عالم لا يقدّم لهم شيئًا سوى الخيام. التضامن المجتمعي أصبح ضرورة للبقاء، والشعور بالانتماء إلى مكانٍ رغم بساطته القصوى يمنحهم قوة للاستمرار.

لكن حتى مع مرور الوقت وإعادة إعمار سوريا الجديدة، تبقى المخيمات صورة حيّة للفقدان والحرمان. المدن المحيطة تعج بالحياة والفرص، بينما هؤلاء السكان ما زالوا محاصرين في خيامهم، محرومين من أيّ ممتلكات، عاجزين عن امتلاك شيء يربطهم بمفهوم الوطن أو الاستقرار. النصر الرسمي على الخراب لم يترجم بعد إلى حياة حقيقية لهم، وكلّ يومٍ يمر يضيف طبقة جديدة من الصبر والانتظار المؤلم.

والحياة على خيط خيمة في الشمال صمود في مواجهة الفراغ، وانعكاس لفقدان الوطن بكلّ تفاصيله، وتذكير للعالم أنّ انتهاء الحرب لا يعني انتهاء المعاناة. كلّ خيمة، كلّ خيط، وكلّ لحظة بقاء هي شهادة على إرادة بشرية تحاول أن تستمر، حتى في ظلّ واقع لا يقدم إلا الخيام والبرد والانتظار.

شارك

مقالات ذات صلة