مدونات

الإعلام السوري من البروباغندا إلى التعددية

يناير 4, 2026

الإعلام السوري من البروباغندا إلى التعددية

يوسف شندي الراوي 

يمثل تاريخ الثامن من ديسمبر 2024 لحظةً فارقة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، حيث أدى سقوط نظام الأسد المجرم إلى تفكيك واحدة من أكثر القبضات الأمنية إحكاماً على الفضاء العام، ممّا مهد الطريق لإعادة صياغة شاملة لمفهوم الإعلام والإعلان في سوريا.

إنّ الانتقال من “إعلام المستبد” إلى “إعلام المجتمع” لم يكن مجرّد تغييرٍ في الوجوه أو الشعارات، بل عملية جراحية معقّدة استهدفت بنية تحتية متهالكة ومنظومة قانونية صُممت خصيصاً للتضليل.

وخلال عامٍ كامل من الحرية، شهدت سوريا تحوّلات دراماتيكية في طريقة إنتاج الخبر واستهلاك الإعلان، متجاوزةً تحديات تقنية ولوجستية وسياسية هائلة، لترسم ملامح مرحلة جديدة من المؤسساتية التي بدأت تتبلور بوضوحٍ مع نهاية عام 2025.

الجذور التاريخية للإعلام السوري: مركزية السيطرة وأدوات البروباغندا (1947-2024).

تعود اللبنات الأولى للإعلام السوري الحديث إلى زمن الاستقلال مع انطلاق إذاعة دمشق (1947)، قبل أن يشهد عقد الستينيات “مأسسة مركزية” بدأت بتأسيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون (1960)، تلاها إحداث وزارة الإعلام (1961)، ثم جريدة الثورة (1963)، وصولاً إلى وكالة الأنباء السورية “سانا” (1965)؛ ومنذ عام 1970 “عند استيلاء حافظ الأسد على السلطة” بدأ ذلك المنعطف، حيث أُخضعت هذه البنية الإعلامية لسيطرةٍ أمنية وحزبية مطلقة، وتحوّلت المؤسسات من منابر وطنية إلى أدوات “بروباغندا” مكرّسة لترسيخ شرعية النظام الحاكم وحزب البعث، ممّا جعل الإعلام مجرد ذراع تنفيذي للأجهزة الاستخباراتية والسلطة.

بنية الإعلام والإعلان قبل السقوط.

تميّزت المرحلة السابقة بوجود احتكار حكومي شبه كامل للمعلومات، حيث كان التلفزيون السوري وقناة الإخبارية (الإخبارية السورية) يعملان وفق “توجيهات مكتوبة” تُملى على الصحفيين، ممّا حولهم من باحثين عن الحقيقة إلى متلقين للأوامر.

أمّا قطاع الإعلان، فقد كان محصوراً في شبكاتٍ اقتصادية تابعة للنظام، حيث أدّت “الشركة العربية السورية للنشر والتوزيع” دوراً محورياً في إدارة الوسائل الإعلامية والخاصة الموالية مثل قناة “سما” وجريدة “الوطن”، لضمان عدم خروج أيّ رسالة إعلانية عن الإطار الأيديولوجي المحدد.

يوضح الجدول التالي أغلب الجهات والمؤسسات الرسمية والمهنية المرتبطة بالمشهد الإعلامي السوري، مرتبة حسب الأقدمية (تاريخ التأسيس)، مبرزاً الأدوار التاريخية والواقع الجديد لكلّ منها بعد عام من التحرير:

المؤسسة الإعلاميةتاريخ التأسيسالدور التاريخي (قبل 2024)المشهد الجديد (2025-2026)
إذاعة دمشق1947المنبر الإذاعي الرسمي للخطاب القومي الجامدراديو تفاعلي يركز على الخدمات المباشرة واحتياجات المواطن
الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون1960الأداة الدعائية المركزية التي تمجد للمستبدمؤسسة تكنوقراطية تدير “التلفزيون والراديو” وهي إعلام الخدمة العامة
وزارة الإعلام1961المظلة الرقابية والأمنية العليا للخطاب الإعلاميجهة إدارية تنظيمية عليا تضمن الحريات للإعلاميين وتدعم صناعة المحتوى
جريدة الثورة السورية1963لسان حال السلطة والبروباغندا المركزية البعثيةمنصة ورقية ورقمية للنقاش الحر ومرآة لوجع الناس
وكالة الأنباء السورية (سانا)1965الناطق الرسمي والمصدر الإلزامي الوحيد للأخباروكالة وطنية مهنية ميدانية تبث بـ 6 لغات ومنها الكردية
اتحاد الصحفيين السوريين1970منظمة نقابية تابعة لحزب البعث أيديولوجياًنقابة مستقلة تدافع عن حقوق الصحفيين والمهنة
مؤسسة الوحدة للصحافة1970احتكار الصحافة المكتوبة وتوجيه الخطاب الحزبيمنصة تنظيمية تعددية تعكس التنوع العرقي والثقافي
القناة الفضائية السورية1995واجهة النظام الموجهة والناعمة للدبلوماسية والمغتربينقناة عائلة ومجتمع تركز على الهوية الوطنية والإنتاج الدرامي
قناة الإخبارية السورية2010رأس حربة التضليل والبروباغندا العسكريةقناة تفاعلية تعمل وسيطاً بين الشعب وصناع القرار

كانت السياسة التحريرية تعتمد على إقصاء الرأي الآخر ونشر الروايات المضللة، خاصة خلال سنوات الثورة السورية التي بدأت في عام 2011، حيث استُخدم الإعلام جزءاً من المجهود الحربي لتبرير الانتهاكات وقمع المعارضة، وتجميل صورة نظام الأسد البشعة.

الصحفيون الذين حاولوا الانحراف عن الخط المرسوم واجهوا الاعتقال أو القتل، ما جعل سوريا تتذيل مؤشرات حرية الصحافة العالمية لسنوات طويلة.

مرحلة التحوُّل الكبرى: من الفراغ التقني إلى الولادة الجديدة (2024-2025).

أدّى الانهيار السريع للنظام في كانون الأول 2024 إلى دخول الإعلام السوري في حالةٍ من الشلل التقني، حيث توقفت القنوات الرسمية عن البث الفضائي في 5 كانون الثاني 2025 نتيجة فرار الكوادر القديمة، وتوقف الترددات بسبب العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.

خلال هذه الأشهر الثلاثة الأولى، اعتمدت السلطات الانتقالية على منصات التواصل الاجتماعي ووكالة “سانا” لإيصال رسائلها، في ظلّ غياب القدرة على تشغيل البنية التحتية التلفزيونية المعقّدة.

دور الإعلام البديل وسد الفجوة.

في ظلّ الفراغ الإعلامي الرسمي، برزت القنوات التي كانت تبث من الخارج، مثل “تلفزيون سوريا” الذي يتخذ من إسطنبول مقراً له، فاعلاً أساسياً في تغطية أحداث الانتقال وتشكيل الرأي العام السوري الجديد، ومع تشكيل الحكومة الانتقالية في 29 آذار 2025 برئاسة أحمد الشرع، بدأت ملامح “مؤسسة” الإعلام الجديد في الظهور، حيث عُيّن الدكتور حمزة المصطفى وزيراً للإعلام خلفاً لمحمد يعقوب العمر، وهو أكاديمي وباحث متخصص في الشأن الإعلامي، ممّا أعطى إشارة واضحة للرغبة في الانتقال نحو الإدارة التكنوقراطية.

العهد الجديد للإعلام السوري: فلسفة الإعلام الميداني والتعددية (2025).

جاء حمزة المصطفى برؤيةٍ أكاديمية نقدية استلهمها من دراسته في جامعة إكستر البريطانية وعمله السابق مديراً لـ “تلفزيون سوريا”.

كانت الفكرة الجوهرية تتمثّل في تحويل الصحفي السوري من “ناقل للمعلومات الأمنية” إلى “صحفي ميداني” يبحث عن الدقة ويحقق في الحقائق.

سانا.. نقطة تحول (آب 2025).

شكّل إعادة إطلاق وكالة “سانا” في 20 آب 2025 تحت شعار “سانا.. نقطة تحوّل” العلامة الفارقة الأولى في مسيرة الإصلاح الإعلامي.

لم يكن التحول شكلياً فقط من خلال الهوية البصرية الجديدة، بل كان جوهرياً عبر إضافة لغات نشر أخرى غير العربية وهي: الكردية، التركية، الإسبانية، الإنجليزية، والفرنسية.

إنّ إدخال اللغة الكردية لغة رسمية للنشر في وكالة الأنباء الوطنية يُعد سابقة تاريخية تهدف إلى إنهاء عقود من الإقصاء الثقافي واللغوي الذي مورس ضد المكون الكردي؛ وقد رحبت المنظمات الحقوقية، مثل “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بهذه الخطوة كبدايةٍ للاعتراف بالتنوع العرقي وبناء دولة المواطنة التي تستوعب الجميع.

بحسب الأرقام الرسمية، فقد أدى هذا التحوُّل إلى زيادة زيارات الموقع بنسبة 600% وزيادة المتابعة على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 400%، ممّا يعكس استعادة الثقة في المؤسسة الرسمية.

عام من الحرية: المكتسبات، الثغرات، والواقع الجديد (2025-2026).

بعد مرور عام كامل على سقوط النظام البائد، يتفق الصحفيون السوريون على أنّهم يعيشون عصرهم الذهبي من حيث حرية التعبير، حيث لم يعد هناك رقيب حكومي يراجع المحتوى قبل النشر، وأصبح بإمكان الوسائل الإعلامية انتقاد أداء الحكومة الانتقالية دون خوفٍ من الملاحقة الأمنية، كما هو الحال أيضاً في النقد الذي يطال الرئيس الشرع نفسه.

المكتسبات المحققة في المجال الإعلامي والإعلاني

  1. المحاسبة المؤسسية: لأول مرة، يستطيع الصحفي السوري اللجوء إلى القضاء لمقاضاة أي جهةٍ أمنية تحاول عرقلة عمله، كما حدث في واقعة احتجاز عنصر أمني هدّد صحفياً من “تلفزيون سوريا”.
  2. إعادة إطلاق الإعلام الفضائي: نجحت وزارة الإعلام في أيار 2025 في إعادة بث قناة “الإخبارية السورية” فضائياً برؤيةٍ جديدة تهدف لأن تكون وسيطاً بين الدولة والمجتمع.
  3. الانفتاح الإعلاني: مع رفع العقوبات الأمريكية (قانون قيصر) في كانون الأول 2025، بدأ قطاع الإعلان بالتعافي تدريجياً، حيث أقيمت معارض إعلامية وإعلانية دولية في دمشق لجذب الاستثمارات وإعادة إعمار القطاع.
  4. مشروع “سيريا سات”: أطلقت الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون خدمة البث الرقمي الأرضي لتوفير باقة قنوات آمنة ومجانية للأسرة السورية، مراعية الظروف المعيشية الصعبة، بعيداً عن منطق الربح المادي الصرف.

الثغرات والتحديات التي واجهت المسيرة.

رغم النجاحات، واجه الإعلام السوري ثغرات كبرى، أبرزها “الفراغ القانوني”. فبعد إلغاء قوانين الإعلام القمعية القديمة، وجد الصحفيون أنفسهم يعملون في بيئةٍ تفتقر إلى تشريعاتٍ حديثة تحمي حقوقهم وتنظم واجباتهم. كما برزت إشكالية “البطاقات الصحفية المزدوجة”، حيث يتصارع نظامان لمنح الاعتماد: وزارة الإعلام التي تمنح بطاقة “تنظيمية رسمية”، واتحاد الصحفيين الذي يمنح “هوية نقابية”، ممّا أثار تساؤلات حول وجود رقابة مزدوجة أو بيروقراطية معقدة.

ميثاق الشرف المهني: موازنة الحرية بالمسؤولية (نهاية 2025).

لمعالجة قصور قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022 والعقبات الأخلاقية التي واجهت العمل الإعلامي، كشف الوزير حمزة المصطفى في كانون الأول 2025 عن مسودة ميثاق شرف مهني جديد؛ هذه المسودة، التي تجاوزت 90 صفحة، جاءت نتاجاً لـ 16 ورشة عمل شارك فيها مئات الصحفيين، وتهدف إلى:

  • موازنة حرية التعبير بالمصلحة العامة والمسؤولية الوطنية.
  • وضع معايير مهنية لصناع المحتوى الرقمي.
  • حل النزاعات الإعلامية داخلياً قبل وصولها إلى القضاء.
  • اعتماد نموذج الإعلام الأوروبي مرجعية مهنية.

أكد المصطفى أنّ “حرية التعبير في سوريا ليست ترفاً، بل هي ضرورة قصوى تمّ انتزاعها بتضحياتٍ هائلة”، وأن دور الوزارة هو توسيع هامش الحرية لحماية الرواية السورية الوطنية.

التحديات الراهنة: التجزئة، الاستقرار، والتدخلات الخارجية (2026).

مع دخول عام 2026، يواجه الإعلام السوري تحديات وجودية ترتبط باستقرار الدولة ذاتها؛ فالتوترات في مناطق سيادة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الشمال الشرقي، والاضطرابات في السويداء، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، تشكّل بيئة “خطيرة ومتقلبة” للعمل الصحفي.

تحدي إدماج قسد والخطاب القومي الكردي:

يظلّ ملفّ إدماج المؤسسات الإعلامية والأمنية التابعة لقسد في الدولة المركزية عالقاً، رغم اتفاق 10 آذار 2025. فبينما تروج قيادة قسد لعام 2026 كعامٍ لـ”الكونفدرالية الوطنية الكردية”، تصرّ دمشق وأنقرة على مبدأ “دولة واحدة، جيش واحد، وإعلام واحد”؛ وهذا الانقسام ينعكس على الأرض من خلال تقييد حركة الصحفيين في مناطق الشمال الشرقي (الجزيرة الفراتية) ومنع بعض الوسائل الإعلامية من العمل هناك من قبل ميليشيا قسد.

التهديدات الأمنية والبروباغندا المضادة.

ما يزال خطر تنظيم “داعش” وفلول النظام البائد قائماً، حيث استُهدفت دور العبادة والمنشآت المدنية لزعزعة السلم الأهلي؛ ودور الإعلام هنا هو صياغة “رواية وطنية موحدة” تضع المصلحة القومية فوق كلّ اعتبار وتعزّز التماسك الاجتماعي في مرحلة إعادة الإعمار الحساسة والطويلة.

الآفاق المستقبلية: نحو إعلام مؤسساتي مستدام.

يتجه الإعلام السوري في عام 2026 نحو مزيدٍ من الرقمنة والمؤسساتية؛ فالحكومة الانتقالية تسعى لربط الأداء الإعلامي بـ “تقارير أداء شهرية وسنوية” مهنية لضمان الكفاءة الإنتاجية.

كما أنّ التوجه نحو إعادة إصدار العملة السورية في كانون الثاني 2026 والاستقرار الاقتصادي المتوقع سيسهم في تحويل قطاع الإعلان من مجرّد وسيلةٍ للدعم الحكومي إلى محركٍ حقيقي للسوق الحرة داخلياً وإقليمياً.

تجربة الإعلام السوري بعد عامٍ من الحرية تثبت أنّ الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية يحتاج إلى أكثر من مجرّد إزالة الرقابة؛ فهو يحتاج إلى بناء “ثقافة مهنية” جديدة. ولضمان وصول الإعلام السوري إلى مصاف القوى العالمية، يجب العمل على:

  1. إنجاز قانون الإعلام الجديد: لسد الفراغ القانوني وحماية الصحفيين من أيّ تغول أمني مستقبلي.
  2. توحيد المرجعية التنظيمية: إنهاء حالة الغياب أو الازدواجية في البطاقات الصحفية وتشكيل هيئة تنظيمية مستقلة.
  3. دعم وتنظيم الإعلام المحلي واللامركزي: تشجيع الإذاعات والمحطات المحلية في المحافظات، مثل “إذاعة زنوبيا” في حمص و”أمواج” في اللاذقية، لتعزيز الهوية المحلية ضمن الإطار الوطني.
  4. الاستثمار في التدريب الرقمي: مواكبة تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي التي أصبحت ركيزة أساسية في برنامج الحكومة للإصلاح الإداري.

أصبحت سوريا اليوم، بفضل جهود كوادرها الإعلامية وبحثهم الدؤوب عن الحقيقة، تمتلك صوتاً يسمعه العالم، ليس بلغة الطغيان، بل بلغة “سوريا الحقيقية” التي تتطلع إلى مستقبلٍ يسوده الاستقرار والتنمية.

إنّ عام 2026 سيكون الاختبار الحقيقي لقدرة هذه المؤسسات على الصمود أمام التحديات الإقليمية وصياغة مستقبل يليق بتضحيات الشعب السوري العظيم.

 

شارك

مقالات ذات صلة