مدونات

التكريم المؤجل.. ثقافة أم تقصير؟

يناير 2, 2026

التكريم المؤجل.. ثقافة أم تقصير؟

يونس العيسى

يكاد ميزان ومعيار التكريم في شرقنا العربي هو جملة “الله يرحمه”، كأنّ الشرط اللازم للتكريم غياب المُكرَّم والاحتفاء بتكريم الأموات دون غيرهم، وكأنّنا لا نعرفهم وهم أحياء، وأنّ قوائم التكريم العربية محصورة بالأموات، ولا فراغ فيها لتكريم الأحياء إلا بعد انتقالهم للدار الآخرة.

وقد وصف هذا الحال الشاعر عمر أبو ريشة بقوله:

كم مطبق باب الخــــــــــــــلود وراءه

وشجونه في الدرب زاد مســــافر!

ما اعتاد هذا الشرق أن يـــهدي إلى

نبغائه الأحـــــــــــياء أجر مناصــــر

ففي كلِّ مرّةٍ يرحل عن عالمنا نابغ ومبدع ومفكر نتسابق لذكر مناقبه ونتاجه ونسارع لإلقاء الخطب في تأبينه، وتزدحم سرادق العزاء بمن كان يعرفه أو لا يعرفه، وتكثر في وسائل التواصل والمنصات الإعلامية عبارات التقدير والإشادة، ويعاد إلى الواجهة والشاشات لقاءاته وكلامه ونتاجه في مشهدٍ احتفائي متأخر. لكنّ الراحل لا يسمع ولا يرى كلّ تلك المظاهر.

إنّ هذا الاحتفاء المتكرّر من تكريم ما بعد الرحيل، يطرح تساؤلاً: لماذا لا نُكرّم المبدعين وهم أحياء؟ لماذا ننتظر حتى يموتوا كي نرفع صورهم وننشر كلماتهم ونتحدّث عنهم وعن تضحياتهم وإنجازاتهم؟

فتقدير النخب المثقفة والتي كانت ملتصقة بمجتمعها ووطنها لا يُعد ترفاً، بل ضرورة تبث الثقة في نفوسهم، وتحفزهم على الاستمرار في العطاء، وهو اعتراف ورد جميل لهم بأنّ ما يقدمونه له أثر وقيمة، ورد الجميل حين يُمنح في حياتهم وبالوقت المناسب، يكون أبلغ من أيّ تكريمٍ يأتي بعد وفاتهم.

إنّ التكريم والاحتفاء سواء لشاعر أو كاتب أو مفكر أو أيّ مبدع في أيّ مجالٍ معرفي وعلمي، في حياتهم وقبل وفاتهم هو واجب أخلاقي وإنساني، والمسؤولية بذلك لا تقع على جهةٍ واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الثقافية والعلمية، ووسائل الإعلام والمجتمع الذي يعيشون به ويلتصقون بأهله، ويجب علينا تسليط الأضواء عليهم وهم في حياتهم وأوج عطائهم، لا بعد أن تُغيب أسماؤهم خلف تاريخ الوفاة.

ويجب تغيير لازمة التكريم بعد الموت، فهناك المئات ممّن يستحقون التكريم بحياتهم، وهم الآن في بيوتهم ومكاتبهم ويقدّمون أعمال جليلة لوطنهم، فلا يجب أن ننتظر رحيلهم بعد عمر طويل حتى نتذكرهم!

فتكريمهم أثناء حياتهم قيمة ولفتة إنسانية كريمة تدل على وفاء الأمم لرواد فكرها ونهضتها، وظاهرة التكريم بعد الموت أشار إليها الكثير من الأدباء والكتاب، فقد قال الشاعر الراحل محمود درويش: “ليس من المألوف أن يُكرَم الأحياء، فالموتى لا يحضرون حفل تأبينهم”. وقبله كتب جمال الدين الأفغاني:  “الأديب في الشرق يموت حياً ويحيا ميتاً”.

تكريم النخب المبدعة ومن لهم أثر جميل في مجال تخصصهم  بعد موتهم جميل، لكنّ الأجمل أن يُكرَّموا في حياتهم وخلال رحلة عطائهم، حتى يشعروا بأثر هذا التكريم، فتكريمهم في حياتهم يرفع من معنوياتهم أكثر فأكثر ويمثل التكريم بالنسبة لهم اعترافاً من المجتمع بحسن نتاجهم وإبداعهم.

فظاهرة التكريم بعد الموت هي نتاج ثقافة شرقية فالموت عندنا يرتبط بالخلود والكمال وبقول: اذكروا محاسن أمواتكم، وهذا بدوره انعكس أيضاً على الجانب الثقافي وهو أنّنا لا نحتفي بمثقفينا ورواد فكرنا إلا بعد موتهم، ولا نجعل التكريم مرتبط بالحياة لا بالموت.

فتكريم المثقفين على اختلاف فنونهم وتخصصاتهم وهم أحياء أفضل بكثير بعد موتهم، ولا يعد تجاهلهم وهم موصومون بالحياة، ويعانون من شبهة الحاضر التي يفرضها عليهم الأمر الواقع الذي يضيق عليهم بحجج عدم تماهي ثقافتهم معه.

ومن الظواهر التي نجدها أن يُكرَّم كاتب ومبدع وخطّاط وشاعر وغيرهم خارج أوطانهم وهم أحياء، بينما نجدهم كأنّهم مزمار حي لا يطرب ببلدهم، ولا نسمع إلا أصوات تأبينهم ونقرأ نعواتهم حين وفاتهم.

وفي زمنٍ تغلبت فيه وسائل التواصل والصورة والميديا على القراءة والكتابة، هناك تراجع وانحسار على مستوى الثقافة العربية، جعل المثقفين العضويين والحقيقيين مغيبين ومصابين بالانكسار في ظل أشباه المثقفين المتعالين عليهم والذين يشغلون مناصب وظيفية في المؤسسات الثقافية.

إنّ التكريم بعد الموت يعتبر انتقاصاً من قيمة المثقف والمبدع أثناء حياته، ولا يقدّم أيّ إضافةٍ لنتاجه الثقافي والفكري لأنّه بحكم الغائب ولا يشعر بأهميته وجدواه.

فنخبنا المثقفة وبمختلف نواحي الثقافة والفكر تعيش حالة انهزام من واقعها المعاش، وهم دائماً بحاجةٍ لرعاية ومساعدة ليتمكنوا من الاستمرار في تقديم نتاجهم، وهناك الكثير منهم من يعاني من ضيق العيش والفقر في حياته، رغم أنّهم أفرطوا كثيراً وعانوا من السجون والتهجير والمنافي وتآكلوا داخلياً في سبيل ما ينهض بواقع بلدهم وأمتهم، لذا من الضروري أن تهتدي المؤسسات الثقافية والفنية والعلمية، لتكريم النخب المثقفة قبل أن تُغلق جفونهم ويغادروا عالم الأحياء ويذهبوا إلى مقابر الأموات.

ولا نكرّر القول الشائع: “لا ألفينك بعد الموت تندبني، وفي حياتي ما زودتني زاد”. فعندما اشتد المرض على المؤرخ وعالم الاجتماع علي الوردي وبعد أن تجاوز الثمانين من عمره، أُرسلت له دعوة لتكريمه في ملتقى ثقافي فاعتذر قائلاً: “أتت وَحياض الموت بيني وَبينها، وجادت بِوصل حيث لا ينفع الوصل!”.

التكريم والاحتفاء بإنجاز وعطاء المتميزين والمبدعين سلوكٌ نبيل، لكنّ تكريم الشخص بعد وفاته، هل هو تكريم أم إحساس بتأنيب الضمير تجاه المتوفى واعتذار منه أنّنا كنّا نغفل عنه وعن نتاجه وما يقدّمه، وكان ينبغي أن يفارق الحياة حتى نعترف بتميزه ونجاحه.

فتكريم الشخص بعد وفاته قد يكون سبباً لمحبي الظهور من أنصاف المثقفين، بينما المُحتفى به غائب ولم يُكرَّم بحياته وغادرها دون تقدير لعلمه وعمله وفكره، أشبه بحفل زفاف دون حضور العريس.

هي دعوة لنا جميعاً أن نحتفي بكلّ متميز ومبدع، والوطن يحوي العديد من المتميزين الذين يستحقون التكريم في المجالات كافة، والمحافل الثقافية الإقليمية والدولية قدّمت للعالم أجمع العديد من النماذج المبهرة لأبناء الوطن، ولنجعل التكريم مرتبطاً بالحياة لا بالموت.

شارك

مقالات ذات صلة