تأملات
ما هو هذا الباب؟ وهل سبق أن طرقته؟ وهل فُتِحَ لك؟ وهل ولجتَ منه؟ هل وجدته حقيقةً أم كان سراباً لخللٍ في إبصارك له؟ ولماذا هو الأعلى؟ هل التواضع درجات؟
حسناً فكّرت أيضاً بكلِّ هذا الأسئلة وشاركتكم إياها، وبعد استغراقي في البحث عنه، شعرت أنّ مرادف معنى ( لا حول ولا قوّة إلا بالله) وتحققها في قلب المؤمن هو (باب التواضع الأعلى).
يتّسع مفهوم الحَوْل، ليشملَ كلّ طاقةِ قادرة على التغيير والتحويل في حياتك وإحداث نقلة أيّ “الاستطاعة”، على صعيد المعنوي والمادي، والباطن والظاهر، والسرُّ يكمنُ (كَمْ نسبةُ استشعاركَ لحولِ اللهِ في حياتك؟) إذا استشعرت ذلك بنسبة عالية جدًّا، فأنت إنسان قادر على إعدام (حَوْلِكَ الذاتيّ) أي نفسك بكّل وساوسها وعجرفتها وحجبها وكبرها، كلّما كنتَ قادراً على إرجاع كلّ حركة تخطوها في الحياة بشكلٍ تام إلى الله عزّ وجلّ، على صعيد النَفَس الذي تتنفّسه، المدح الذي تتلقاه، الترقي الذي تناله، في هذه اللحظة بالتحديد إذا استطعت أن تقول استطعت كلّ هذا بحول الله، فأنت هادم مميّز لصنمِ أناكَ الأكبر، وأنت إبراهيميٌّ في باطنك قادر على تكسير أصنامِ (أَنَاك).
يعني أحياناً أكتب مقالاً، فأُعْجَبُ به، وأقول في نفسي ( الله عليكِ يا آلاء)، ثمّ أستدرك الأمر، فأعرف أنّ الفكرةَ التي خطرت على بالي، التفسير الذي تذوقته، المعنى الذي أحسسته ما كنتُ لأستشعرهُ لولا حولُ الله، لأنّني بحولي الذاتي غيرُ قادرةٍ على أنْ أدرك أيّ سرٍّ باطني من أسرار الكون، فنفسي هي حجابي الأكبر.
والسؤال (هل تستطيع فعل ذلك؟)، أنْ تستشعر في كلّ لحظةِ علوّ حتى وإن كنتَ مرهقاً للغاية ومتعباً من أجل الحصول على هذه الرتبة، وقد تعبت جسدياً ومعنوياً، هل تستطيع إلغاء تعبك تماماً، وإيكال النتيجة تماماً لله وأنّها كانت بحوله وفضله، نعم سعيك بالتأكيد له دور ظاهري منطقيٌّ في حصولك على النتيجة، لكن حتى ذلك السعي كان بحول الله عزّ وجلّ، هل تستطيع فعلاً أن تدخل من باب التواضع الأعلى؟ أرجوك افعل ذلك، تذوّق هذا، اشعره، حاول أن تعيشه، أنْ يرسل الناس لك إعجابهم، فتضحك داخلك وتقول ذلك حول الله وفضله، أن يُعْجَبَ أحدهم بذوقكَ في اختيار ملابسك وأناقتك، وأنْ تقول ذلك حول الله يسّر لي هذا الذوق وهذا الاختيار، أن يثني أحدهم على طعامك، فراستك، لباقتك، لغتك، حضورك، تردُّ ذلك إلى حول الله.
فعلياً نحن يجب أن نشعر بالخجل من الله عزّ وجلّ، يعطينا كلّ هذه الأشياء الجميلة في حياتنا حتى وإن ظنناها بسيطة من ذوق ولباقة وقدرة على فعل أشياء نحبّها بطريقةٍ جميلة، هو بحوله يعطينا القوة والإبداع لنصنعها، ثم ّيجعل الناس يمتدحوننا ويغرقوننا بالإعجاب، أيُّ ربٍّ جميل هو ربُّنا، كلّ شيءٍ حتى الأوكسجين الذي يدخل عابراً في كلّ ثانية رئاتنا من دون أيّ رسوم واستحقاقات هو بحوله العظيم، وننسى أن نشكره، ورغم ذلك لا يقطعه عنّا، الكثير من الأمور في حياتنا نفعلها وننسى أن نشكر الله عليها وأن ننسب له الفضل، ولا يقطعها عنّا، لكنَّ هنالكَ شيء من الجميل أن نلتفت له، أنَّ الله عزّ وجلّ ربما لا يقطع هباته عنّا، لكن إذا لم نشكرهُ ربّما لا تزداد، كيف؟ وما معنى الزيادة؟ الزيادة هي البركة ببساطةٍ في كلّ شيء، حتى في الفهم والتدبر وتذوق المعاني هنالك بركة واتّساع وأنوار، يعني مثال، كتبتَ شيئاً جميلاً وتكررَ الأمر، ولمْ تشعرْ أنَّ إلهامك في هذا الجمال كان من الله مباشرة ولم تشكره، ربما تصبح فيما بعد كتاباتك أقل، أو أقل وهجاً وعمقاً وجمالاً ودهشة، لكن ماذا يحدث حينما تبدأ تشكره على كلّ شيءٍ تفعله من (كتابة، إعداد طعام، اختيار لباس، حتى اختيار زجاجة عطر برائحة جميلة، .. إلخ) تستشعر أنّ الله عزّ وجلّ هو يختار لك، ماذا يحدث؟ سأخبرك، ستصبح اختياراتك أجمل في كلّ شي، سيرتفع ذوقك الظاهري والباطني، سيبدأ يرى قلبك لا عينك فحسب، ستتسع حواس قلبك وستبدأ تشعر بذلك، قلبك يرى ويشمّ ويتذوق ويلمس، إنّه أمر رائع، يا إلهي كيف أشرحُ أكثر؟ إنّ شكر الله عزّ وجلّ والدخول له من باب التواضع الأعلى والتحقّق بالتجرد من حولك وقوتك إلى حول وقوة الله متعة عظيمة ولذة لا يمكن أن تتذوق مثلها أبداً، كلّ عامٍ وأنتم بخير، كلّ عامٍ وأنتم تستطيعون فعلاً الدخول من باب التواضع الأعلى، للتحقق بالمقامات العليا عند ربّنا عزّ وجلّ.
وشكراً لك يا ربّي حبيبي أن يسّرتَ لي هذا الفهم لكتابة هذا المقال الجميل، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله عدد الأنفاس من أول الدنيا إلى آخرها وسلّم.




