تأملات

إنَّ التَّشبه بالكرامِ فلاحُ!

مايو 17, 2026

إنَّ التَّشبه بالكرامِ فلاحُ!

قال معاذُ بن جبل: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وقد أصابنا الحرُّ، فتفرَّقَ القومُ، فنظرت فإذا رسول اللّه ﷺ، أقربهم منّي، فدنوتُ منه فقلت: يا رسول اللّه، أنبئني بعمل يُدخلني الجنَّةَ ويُباعدني من النَّار!

قال: لقد سألتَ عن عظيمٍ، وإنّه ليسيرٌ على من يسّره الله تعالى عليه! تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتقيم الصَّلاة المكتوبةَ، وتؤدي الزَّكاةَ المفروضة، وتصوم رمضان، وإن شئتَ أنبأتُكَ بأبواب الخير كلّها!

قلتُ: أجل يا رسول اللّه!

قال: الصوم جُنَّة، والصَّدقة تكفّرُ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه اللّه تعالى، ثم قرأ: “تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”.

الدَّرسُ الأوّل:

الصَّومُ جُنَّة، أي وقاية من النَّار!

جاء رجلان من اليمن إلى النبيِّ ﷺ، وأسلما بين يديه معاً، وكان أحدهما أشدُّ اجتهاداً من الآخر في العبادة، وغزا مع النبيِّ ﷺ فاستشهد، ثمّ مكثَ الآخر بعده سنةً ثمّ مات.

فرأى طلحة بن عبيد الله في منامه أنّه عند باب الجنة، وإذا الرجلان هناك، فجاء مَلَكٌ وأمرَ الذي توفي حديثاً بأن يدخل الجنَّة. ثمّ خرج مرةً أخرى وأمر الذي استشهدَ أولاً أن يدخل الجنّة. ثمّ خرج فقال لطلحة: أمّا أنتَ فارجعْ، فإنّكَ قد بقيَ لك عُمر!

فأصبح طلحة يُحدث الناس بما رأى فتعَجبوا! فبلغ ذلك النبيُّ ﷺ، فقال لهم: من أيّ شيءٍ تعجبون؟

فقالوا: يا رسول اللّه، كان هذا أشدَّ الرجلين اجتهاداً، ثمّ استشهد، ودخلَ الآخرُ قبله الجنة!

فقال النبي ﷺ: أليسَ قد مكثَ هذا بعده سنةً؟

قالوا: بلى.

فقال: وأدركَ رمضان، فصامَ وصلى؟

قالوا: بلى.

فقال: فما بينهما أبعدُ ممّا بين السماء والأرض!

إنّه الصّيام الذي صامه الصحابيُّ في القصة، فسبقَ بصيامه وقيامه صاحبه الذي استشهد قبله!

فسابِقُوا، فإنّ عُمْر المؤمن لا يزيده إلا خيراً!

فيا مرحباً بالجوع والعطش في سبيل اللهِ فإنّها سُويعات تمضي، تمتلئ بعدها الأمعاء، وترتوى الحناجر ويثبتُ الأجر إن شاء اللّه.

يا مرحباً بقراءة القرآن، ضمَّاد القلوب المجروحة، وسلوى النفوس المحزونة، وجبال من الحسنات، ولا أقول ألم حرف، وإنّما ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف!

الدَّرسُ الثّاني:

والصَّدقة تُكفِّرُ الخطيئة!

لما حضرتْ أبا موسى الأشعري الوفاة، قال: يا بَنِيَّ، اذكروا صاحبَ الرَّغيف.

إنّه رجل عبد الله في صومعته سبعين سنة، لا ينزلُ في العام إلى الناس إلا يوماً واحداً، فزيَّنَ الشّيطانُ في عينه امرأةً، فكان معها بالحرام سبعة أيام، ثم تذكّر عبادته وصلاحه، فتركَ بلده وخرجَ تائباً، وكان كلّما خطا قليلاً صلّى وسجد.

فآواه الليل إلى مكانٍ فيه اثنا عشر مسكيناً، فأدركه التعب، فرمى نفسه بين رجلين منهم.

وكان هناك راهبٌ يمرُّ بهم كلّ ليلةٍ ويعطي كلّ واحدٍ منهم رغيفاً، ومرَّ عليهم، فحسبَ التائب منهم، فأعطاه رغيفاً.

فقال الذي لم يأخذ رغيفاً للراهب: ما لكَ لم تعطنِي رغيفي الليلة؟

فقال له: أتراني أمسكته عنكَ، سَلْ أصحابكَ هل أعطيتُ أحداً منهم رغيفين؟

فقالوا: لا.

فقال: واللهِ ما معي أرغفة إلا بعددكم!

فعمدَ التائبُ إلى الرَّغيف الذي دفعه إليه الرَّاهب، فأعطاه إلى الرجل الذي لم يأخذ.

وأصبحَ التائبُ ميتاً!

فوُزِنت السبعون سنةً في العبادة بالليالي السَّبع في الزِّنى، فرجحتْ بهنَّ ليالي الزنى، ثمّ وُزنتْ ليالي الزنى بالرغيف، فرجح بهنَّ الرغيف.

فقال أبو موسى: اذكروا صاحبَ الرَّغيف!

ما أدراكَ كيف تكون الموازين غداً، وأيُّ شيءٍ يرجحُ، وأيُّ شيءٍ يذهبُ هباءً!

ما أدراكَ أنّ عُلبة الدَّواء تشتريها لمريضٍ فقير كلّ شهرٍ بالسِّر، لا تُطلعُ أحداً عليها، ترجحُ بالميزان بكلّ معاصيكَ!

ما أدراكَ أنّ الدَّين الذي تقضيه عن متعثرٍ في الدنيا، وليس في قلبكَ من نيَّةٍ غير أن يقضيَ اللّهُ تعالى دينكَ عنده، تشتري به جنةً عرضها السماوات والأرض!

ما أدراكَ أنّ معصية فلانةٍ التي وصلتكَ فسترتها، وليس في قلبكَ إلا أنّكَ ترجو ألا يفضحكَ يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيعطيكَ ما ترجو، ويكون موقف واحدٌ هو فكاك رقبتكَ من النَّار!

الدَّرسُ الثّالث:

وقيامُ الرَّجل في جوف الليل يبتغي وجه اللّه تعالى!

قال سعيد بن المسيب: إنّ الرجل ليصلي بالليل، فيجعل اللّه في وجهه نوراً يحبه عليه كلّ مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إنّي لأحبُ هذا الرجل!

وقيل للحسن البصري: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن النّاس وُجوهاً؟

فقال: لأنّهم خَلَوا بالرّحمن فألبسهم من نوره!

وكان ثابتُ البنانِيُّ يقول: كابدتُ نفسي على القيام عشرين سنة، وتلذذتُ به بعد ذلك عشرين سنة!

وكان عبد العزيز بن أبي روّاد يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل، فكان يضع يده على الفراش فيتحسَّسه ثمّ يقول: ما ألينك! ولكن فراش الجنة ألين منك! ثمّ يقوم إلى صلاته!

وقال رجلٌ لإبراهيم بن أدهم: إنّي لا أقدر على قيام الليل فصِفْ لي دواءً؟

فقال: لا تعصِه بالنَّهار وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإنّ وقوفكَ بين يديه في الليل من أعظم الشَّرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف!

وقال رجل للحسن البصريِّ: يا أبا سعيد، إنّي أبيتُ معافى وأحبُّ قيام الليل، وأعدُّ طهوري فما بالي لا أقوم؟!

فقال الحسن: ذنوبك قيّدتكَ!

وكان العابدُ عمرو بن عتبة بن فرقد يخرجُ للغزو في سبيل اللّه، فإذا جاء الليلُ صفَّ قدميه يناجي ربَّه ويبكي بين يديه.

وكان أهل الجيش الذين خرج معهم عمرو لا يُكلّفون أحداً من الجيش بالحراسة، لأنّ عمرو قد كفاهم ذلك بصلاته طوال الليل.

وذات ليلة وبينما عمرو بن عتبة يصلي من الليل والجيشُ نائم، إذ سمعوا زئير أسدٍ فهربوا وبقي عمرو في مكانه يصلي!

فلمّا انصرفَ الأسدُ عنهم رجعوا لعمرو فقالوا له: أمَا خفتَ الأسدَ وأنت تصلي؟!

فقال: إنّي لأستحي من الله أن أخاف شيئاً سواه!

ودخلت إحدى النساء على زوجة الإمام الأوزاعيّ، فرأتْ بللاً في موضع سجوده، فقالت لزوجة الأوزاعي: ثكلتْكِ أمُّكِ! أراكِ غفلتِ عن بعض الصبيان حتى بالَ في مُصلّى الشيخ!

فقالت لها زوجة الأوزاعي: ويحكِ، هكذا يُصبح كلّ ليلةٍ من أثر دموع الشيخ في سجوده!

وقال أبو يزيد المعَّنى: كان سفيان الثوري إذا أصبح، مدَّ رجليه إلى الحائط ورأسه إلى الأرض، كي يرجع الدَّم إلى مكانه من قيام الليل!

وكان أبو مسلم الخولانيِّ يُصلّي من الليل، فإذا أصابه فتور أو كسل قال لنفسه:

أيظنُّ أصحاب محمد ﷺ أن يسبقونا عليه، واللّه لأزاحمنَّهُم عليه، حتى يعلموا أنّهم خلفوا بعدهم رجالاً!

ثمّ يصلي إلى الفجر!

قصصٌ هي واللهِ كأنّها ضربٌ من ضروب الخيال! فتشبَّهوا، فإنَّ التشبه بالكرام فلاحُ!

شارك

مقالات ذات صلة