تأملات
دخل أبو بكرٍ يستأذنُ على رسولِ الله ﷺ، فوجدَ الناسَ جلوسًا ببابه، لم يُؤذَنْ لأحدٍ منهم، فأُذِنَ لأبي بكرٍ، فدخل.
ثم أقبلَ عمرُ، فاستأذن، فأُذِنَ له، فوجدَ النبيَّ ﷺ جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا،
قال: فقال: لأقولنَّ شيئًا أُضحكُ النبيَّ ﷺ،
فقال: يا رسولَ الله، لو رأيتَ بنتَ خارجة، سألتني النفقة، فقمتُ إليها، فوجأتُ عنقها،
فضحكَ رسولُ الله ﷺ، وقال: هنَّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة!
فقام أبو بكرٍ إلى عائشةَ يجأُ عنقها، وقام عمرُ إلى حفصةَ يجأُ عنقها، كلاهما يقول: تسألنَ رسولَ الله ﷺ ما ليس عنده؟!
فقلن: واللهِ لا نسألُ رسولَ الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده!
ثم اعتزلهنَّ شهرًا، أو تسعًا وعشرين، ثم نزلتْ عليه هذه الآية: “يا أيها النبيُّ قل لأزواجك إن كنتنَّ تُردنَ الحياةَ الدنيا وزينتها فتعالينَ أمتعكنَّ وأسرِّحكنَّ سراحًا جميلًا، وإن كنتنَّ تُردنَ اللهَ ورسوله والدارَ الآخرة فإنَّ الله أعدَّ للمحسناتِ منكنَّ أجرًا عظيمًا”
فبدأ بعائشة، فقال: يا عائشةُ، إني أريدُ أن أعرِضَ عليكِ أمرًا، أحبُّ أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويكِ!
قالت: وما هو يا رسولَ الله؟
فتلا عليها الآية،
قالت: أفيكَ يا رسولَ الله أستشيرُ أبويَّ؟! بل أختارُ اللهَ ورسوله، والدارَ الآخرة، وأسألك أن لا تُخبر امرأةً من نسائك بالذي قلتُ!
قال: لا تسألني امرأةٌ منهنَّ إلا أخبرتُها،
إنَّ الله لم يبعثني معنِّتًا، ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا!
الدَّرسُ الأول:
لم يكن النبيُّ ﷺ قليلَ المالِ دومًا، ولكنّه كان أجودَ الناسِ في فقره وغِناه، وقد بلغَ به الجودُ أن يُنفقَ على الناسِ أكثرَ ماله، ولا يُبقي لنفسه وأهله إلا القليل، وقد شعرتْ أمهاتُنا بضيقِ العيش، والمالُ عجلةُ الحياةِ للناسِ جميعًا مؤمنهم وفاجرهم! وما من أحدٍ إلا ويُحبُّ رغدَ العيش، وهذا لا مسبّةَ فيه ولا منقصة، ولكن لا أحدَ له إيمانُ النبيِّ ﷺ ولا قلبُه، فلم تُطِقْ زوجاتُه ما كان يُطيقُ هو، فطالبْنه أن يُكثرَ لهنَّ من النفقة، وقد أرادَ أن يكونَ لأهلِ بيته ما له من اليقينِ بالله، والصدقةِ في سبيله، وهذا ما أدخلَ الهمَّ عليه، بأبي هو وأمي كان كلُّه لله!
الدَّرسُ الثاني:
الخلافاتُ الزوجية تقعُ في كلِّ البيوت، نحن بشر، طباعٌ وأهواء، نفسياتٌ وأمزجة، والحياة مهما كانت سعيدة، من الطبيعيِّ أن يتخللها بعضُ لحظاتِ الكدر! ولسنا ننادي ببيوتٍ لا تقعُ فيها المشكلات، فلو عُصِمَ منها بيتٌ لعُصِمَ بيتُ النبيِّ ﷺ وأصحابه، فهم أعلى الناسِ إيمانًا وأخلاقًا، وإنما ننادي أن نختلفَ بنُبلٍ، فلا نطغى ولا نفجُر، ولا نُريقُ كرامةً، ونحفظُ ماءَ الوجوه!
الدَّرسُ الثالث:
الحياةُ شاقّةٌ على الجميع أزواجًا وزوجاتٍ، ولا نملكُ إلا أن نُهوِّنَ على بعضنا الطريق، أن أحملها مرّةً وتحملني مرّةً، أن تُشفِقَ عليَّ في جهادي لتحصيلِ لقمةِ العيش، وأن أُشفِقَ عليها في جهادها مع الأولاد، والقيامِ بأعباءِ البيت! الحياةُ المثاليةُ الخاليةُ من التعبِ والكدرِ والمشقّةِ في الجنّة، أما هذه فدنيا، دارُ الكدِّ والتعب، وليس أمامنا من خيارٍ إلا أن نُهوِّنها بحناننا وأخلاقنا، أو نزيدها قسوةً بأنانيتنا وقسوةِ قلوبنا!
الدَّرسُ الرابع:
البيوتُ الهادئةُ السعيدةُ المستقرة ليست التي لا تحدثُ فيها المشكلات، وإنما هي تلك التي تمرُّ فيها المشكلاتُ مرورًا عابرًا، أيامٌ طويلةٌ من الحبِّ فيها قليلُ جفوة! ولحظاتٌ كثيرةٌ من الطمأنينة تتخللها لحظةُ فزع! وعمرٌ مليءٌ بالدلال يشوبه أيامُ إعراض! وتاريخٌ حافلٌ باللطف تُنغِّصه سويعاتٌ من القسوة! هكذا هي بيوتُ الصالحين، وسيِّدُ الصالحين نبينا ﷺ!
الدَّرسُ الخامس:
بنتُ الأصول تصبرُ على زوجها وتكونُ معه على الدنيا، وقليلةُ الأصل، كثيرةُ الشكوى، تكونُ مع الدنيا على زوجها! وإنَّ معادنَ الناس لا تظهرُ في الرخاءِ وفي الوفاق، هذه لحظاتٌ يكونُ الناسُ فيها جميعًا نبلاء! وإنما إذا أدبرتِ الدنيا تباينوا، وظهرَ الخبيثُ من الطيب، وإنَّ الحياةَ نهايةَ المطافِ مواقف!
الدَّرسُ السادس:
لم يأذنِ النبيُّ ﷺ بدخولِ الناسِ عليه، لأنه ليس في مزاجٍ يسمحُ له برؤيةِ الناس، فهل قدَّرنا نحن أنَّ المرءَ يحتاجُ أحيانًا وقتًا مع نفسه، يستريحُ به من وعثاءِ الحياة! ولكنه أذِنَ لأبي بكرٍ وعمر لأنَّ المشكلةَ كانت مشكلةً عائلية، وكلاهما حمىً له، فأبو بكرٍ والدُ عائشة، وعمرُ والدُ حفصة، وهذا درسٌ بليغ ألا يجعلَ أحدُنا مشاكلَ بيته مشاعًا للناس.
الدَّرسُ السابع:
لم يهُنْ على عمرَ بنِ الخطاب هذا الحزنُ الذي رآه على وجهِ النبيِّ ﷺ فأرادَ أن يُضحكه، فأخبره طرفةً هي من نوعِ المشكلةِ الراهنة، أي طلبُ أمهاتِ المؤمنين النفقةَ من النبيِّ ﷺ، ولم يكن وقتها يملكُ مالًا، ومن فقهِ التسليةِ عن الناسِ في المشاكل، أن تُخبرهم أنَّ كلَّ البيوت تقعُ فيها الخلافات.
الدَّرسُ الثامن:
لم يرضَ أبو بكرٍ وعمر أن تطلبَ ابنتاهما نفقةً ليست عند النبيِّ ﷺ، وهذا نُبلُ الآباء، فإذا عرفَ الأهلُ وضعَ الزوجِ وقلةَ ذاتِ يده، يجبُ عليهم أن يأخذوا على يدِ ابنتهم، وأن تعيشَ بما قسمَ اللهُ لها، لأنَّ كثرةَ الطلباتِ من زوجٍ لا يجدُ مالًا كثيرًا، تُثقلُ كاهله، وتُشعره بالعجز، وهو مدعاةٌ للنفورِ بين الزوجين، وخرابِ الأسرة، فترفَّقوا!