مدونات
محمد كيّاري
كان الإعلام الرسمي، من تلفزيون وراديو وصحف، النافذة الوحيدة التي أُتيحت للمشاهد والمتتبع من خلالها الاطّلاع على الحالة السورية، ضمن حدودٍ ضيّقة ترسمها السلطة بعناية، وتجيزها بما يخدم سرديتها ويعيد إنتاجها. وبالمجمل، لم يكن هذا الإعلام خروجاً عن المألوف أو الكلاسيكية، بل ظلّ نسخةً مكرورةً تفتقر إلى المصداقية مشكوكاً بجديتها وموضوعيتها، في بلدٍ مغلق ومعزول لحدٍّ كبير.
في نهايات العقد الأول من هذا القرن، تبدّل المشهد وتسلّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، لا كأداةٍ ترفيهية فحسب، بل كنافذةٍ بديلة، وأحياناً وحيدة، تطلّ على فضاءٍ عربي وعالمي أوسع. عبر هذه المنصات، راحت الأخبار والأحداث اليومية الكبرى تصل مباشرةً، من دون تأخير، ومن دون وساطة الإعلام الرسمي، ومن دون صبغ قسري بلون النظام ورؤيته.
كانت ساعة الصفر مع بدايات عام 2011، ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، حين تحوّلت صفحات فيس بوك وتغريدات تويتر إلى صوت الناس والشارع، وإلى الناقل الأسرع للخبر. لم تعد المعلومة تنتظر نشرةً أو بياناً، بل صارت تولد في لحظتها. كذلك غدت هذه المنصات فضاء للقاء إلكتروني ينظم المعترضين على السلطة ونهجها، ويجمعهم في كيانات، في الشارع أو المسجد أو الجامعة.
هذا التحوُّل أفقد السلطة قدرتها شبه الكاملة على تكميم الأفواه. لم يعد الحجب كافياً، ولا الصمت ممكناً، فلم يبقَ أمامها سوى الفبركة، وضخ محتوى كثيف جداً من خطابٍ بعيد عن الواقع، وتحليلات مبتذلة تفتقر إلى الحد الأدنى من الإقناع. وبدلاً من استعادة السيطرة، زادت هذه المحاولات من سخرية السوريين منها، فتمّ تجاهل إعلام السلطة، و أحياناً كانت تستحضر فيديوهات هذا الإعلام للاستهزاء به، باعتبارها حالةً كوميدية أو كما راج آنذاك تسميتها بـ”هبدات”، ترافق ذلك مع تصعيد في العنف المفرط، ومع عسكرة في كلّ الجغرافية السورية.
تدريجياً، وصل المشهد إلى حالة لا تعرف الشبع. شريط الأخبار الذي تتصدّره كلمة “عاجل” باللون الأحمر صار جزءاً ثابتاً من يوميات المواطن السوري. لا يكاد المرء يتصفح فيس بوك إلا ويطالعه خبر عاجل جديد، يحتوي وجعاً وقهراً: عدد الشهداء الذين سقطوا قبل قليل برصاص النظام، أو حصار، أو اعتقال، أو قصف مدفعي، أو استهداف بالبراميل، أو شكل آخر من أشكال الوحشية المفتوحة على الاحتمال الأسوأ.
هكذا، أخذ الوطن ينتشر على السوشيال ميديا، لا بوصفه جغرافيا جامعة وشعوراً وطنياً عابراً لكلّ التصنيفات، بل على هيئة مأساة مستمرة، توازيها موجات من التهكم والإنكار والتهجم من بيئة النظام وأبواقه، أو تخوين وسبّ وقذف، وسيل من المنشورات التي تفوح منها روائح طائفية أو مناطقية لا تعرف نهاية.
استمرت الحال على ما هي عليه طوال السنوات الماضية، وأفرزت أشكالاً متزايدةً من الاستقطاب والتمايز، حتى داخل القطب الواحد. تبلور قطبٌ معارض للسلطة، وهو أغلبية مشتّتة ومتعبة، وقطبٌ موال يرى مصلحته مع السلطة مهما تغيرت الظروف، وقطبٌ رمادي خائف، يراهن على الانتظار، أو يترقب ميلان الكفة ليغير موقعه تبعاً لها.
خلال معركة ردع العدوان، وذروتها في الثامن من كانون الأول، اندمج القطبان المعارض والرمادي إلى حد كبير. ورغم ما في ذلك من تذكير الرمادي بمرحلة صمته السابق، فإنّ المزاج العام للآراء والمنشورات كان مباركاً لانتصار الثورة، وللخلاص من نظام الأسد، باستثناء القطب الموالي الذي لم يلبث أن هرب جزءّ منه، أو أعاد تموضعه كقطبٍ معارض جديد، أو استسلم بعضه للأمر الواقع، ولاحقته صفة المكوع.
اللافت أنّ مواقع التواصل الاجتماعي لا تنقل الواقع فحسب، بل تعيد تشكيل اللغة اليومية. فهي تضيف، بين حين وآخر، كلمات جديدة، ومع كثرة تداولها تتحوّل إلى مفردات معرفة تدخل القاموس الشعبي بسهولة، مثل: شبيح، مندس، مكوع، فلول، السني الكيوت، مطبل، انفصالي، وغيرها.
في الأشهر التالية للتحرير، تغيّرت بنية الاستقطاب وتوزعت ملامحه بشكل مختلف. ظهر موالون للدولة الجديدة يدعمونها بغض النظر عن شكل السلطة التي تحكم، في مشهدٍ يشعرك أنّ المواطن الذي كان يخاف من دولته بات يخاف عليها. وفي المقابل، برز موالون لا يقبلون أيّ نقد للسلطة مطلقاً، وبذات الوقت استمر حضور معارضين ينتقدون الدولة الجديدة والسلطة، ويشكّكون في كلٍ إجراء تقوم به.
ضمن هذه التقاطعات الأفقية والشاقولية، وبين سيل المنشورات والتحليلات الشخصية الممزوجة بالغضب أو الإحباط أو الانفعال النفسي، يتشكّل المزاج اليومي لقارئ صفحات مواقع التواصل، مزاج متقلب قد يرهقه حد التعب، أو يدفعه إلى التجاهل بقدر ما يستطيع.
الأخطر في كلّ هذه التقسيمات هو بروز الحدود الطائفية والعرقية والمناطقية كخطوط تماس جديدة، واستغلالها بالتشويه المتعمد بهدف تفتيت أيّ رابط محتمل بين المكونات، عبر لغة الشتم، وتكسير الرموز الدينية، أو وسم جماعة دينية أو عرقية بصفات تنتقص من مكانتها و حضورها.
ويضاف إلى ما سبق ثورة الذكاء الاصطناعي، التي لم تسهم فقط في تسريع إنتاج المحتوى، بل في دعم التافه منه، واستغلال اللحظة الراهنة، وتعميق الفجوة بين المشتركات القليلة التي قد تجمع المختلفين في سوريا.
أخيراً، تبدو الحاجة ماسةً إلى إنسانٍ رشيد، ذو فكر واع، قادر على كبح هذا التمزق المتصاعد في الهوية الوطنية، قبل ضياعها و التحسر عليها. إنسان يسعى إلى نشر صورة أرقى وأجمل لهذا الوطن، لا بوصفه حالة عابرة نكتب عنها دون اكتراث، بل كقيمة حيّة، تستحق أن نحافظ عليها عندما ننشرها على صفحات السوشيال ميديا.

