مدونات
ظاهر صالح
لطالما كان الوجود الفلسطيني في سوريا يمثل الحالة الأكثر استقراراً واندماجاً ضمن خارطة اللجوء، فقد نال اللاجئ الفلسطيني حقوقاً مدنية جعلته جزءاً عضوياً من النسيج السوري، هذا الاستقرار أدى إلى نشوء طبقة واسعة من النخبة التي صاغت وعي المخيم من موقع يوفر الاطمئنان ومساحة فكرية لعقود، إلا أنّ اندلاع الثورة عام 2011 لم يكن مجرّد حدثٍ سياسي، بل كان اختباراً مصيرياً كشف عجز هذه النخبة عن تحويل “القول” إلى “درع” يحمي القاعدة الشعبية من التفتت والضياع.
أولاً: قبل اندلاع الثورة الشعبية، استكان المثقف الفلسطيني لمرتكزَي الاندماج والغطاء السياسي، ومع انفجار الأحداث، رُفع شعار الحياد الإيجابي، وهو طرح أثبتت الوقائع زيفه، فالجغرافيا لم تكن محايدة، وكانت المخيمات في قلب الريف الملتهب، هنا، خسر “اللفظ” أمام “الرصاص”، ودخل الناس مرحلةً من الضياع والتيه، وانقسمت النخبة بين استقطابٍ حاد أو صمت مُقعد، وكانت النتيجة خسارة الرمزية المكانية الكبرى، مخيم اليرموك، “عاصمة الشتات”، الذي تحوّل إلى أطلال تبكيها القصائد ولا تحميها المواقف.
ثانياً: تفرض المرحلة الراهنة تحوّلاً جذرياً من الرثاء إلى الواقعية الوظيفية. تكمن مسؤولية النخبة اليوم في صياغة مفهوم المثقف الحقوقي الذي يتبنّى المسارات العملية التالية:
– أولوية الملفات فوق السياسية المعتقلون والمفقودون
لا يمكن الحديث عن ترميم العلاقة مع الواقع دون مواجهة الجرح النازف. تقع على عاتق النخبة مسؤولية تحويل قضية المعتقلين والمخفيين قسراً من مجرّد شعاراتٍ إلى ملفاتٍ حقوقية مهنية.
إنّ الكشف عن مصير المفقودين أولوية قصوى تسبق أيّ حديث آخر، مع التأكيد على ضرورة محاسبة المتورطين عبر إرساء قواعد العدالة والقانون.
– عقلنة الخطاب وحماية الملكية العقارية.
يجب أن تتحوّل النخبة إلى “قوة ناعمة” تتقن لغة القانون، صون البيت والحارة في المخيم هو المدخل العملي الوحيد لصون “حقّ العودة”. يتطلّب ذلك فتح قنوات تواصل مهنية مع مؤسسات الدولة، كالبلديات ووزارات الإدارة المحلية، لضمان الحقوق العقارية ضمن المخططات التنظيمية، ليصبح المثقف هنا هو المحامي بلسان الفكر.
– الأرشفة الجنائية والتاريخية
الانتقال من وصف الألم إلى توثيقه بمنهجية علمية تخدم ملفات التعويضات وتثبيت الحقوق، إنّ تحويل ذاكرة المخيم إلى قاعدة بيانات قانونية هو ما يحفظ حقّ الأجيال القادمة من الضياع في المنافي.
ثالثاً: يجب فهم ترميم العلاقة مع الدولة السورية الجديدة كمصلحة فلسطينية عليا، وعلى المثقفين صياغة خطاب الاندماج الوطني المسؤول الذي يتجاوز ندوب الحرب، ويؤسس لعودة المخيم كجزءٍ من الهوية السورية العامة، ممّا يضمن استعادة الخدمات الحكومية وتسهيل عودة المهجرين، بعيداً عن لغة الانعزال أو الصدام التي لم تورث سوى الخراب.
إنّ أزمة النخبة الفلسطينية في سوريا ليست مجرّد انعكاس لأزمة الفصائل، بل هي أزمة وظيفة ودور، النهضة المرجوة لا تتحقّق بالانتظار السلبي، بل بظهور نخبة تملك الشجاعة لقول الحقيقة، إنّ طريق العودة يبدأ من تثبيت حقّ الإنسان في الكرامة، وحقّ المعتقل في الحرية، وحق اللاجئ في الملكية.
المرحلة لا تحتاج إلى أدباء يكتبون المعلقات على أطلال المخيمات، بل إلى مهندسي وعي يملكون الرؤية القانونية لإعادة بناء الإنسان والمكان.
إنّ أزمة النخبة الفلسطينية في سوريا اليوم لا تمثّل مجرّد انكسارٍ عابر في مرآة المثقف، بل هي مخاض عسير بين زمنين، زمن القصيدة التي عجزت عن منع الهدم، وزمن الفعل الذي يبني المخيم من وسط الأنقاض، لن يغفر التاريخ لنخبة تكتفي برثاء الجدران بينما يُسحق الإنسان الفلسطيني بين مطرقة التغييب وسندان الضياع القانوني.
النهضة المرجوة لا تولد في الصالونات الثقافية، بل في الميدان، حيث تصبح الكلمة “مبضع جراح” يستأصل أوهام الحياد السلبي. إنّ استعادة “عاصمة الشتات” ليست مجرّد حنين للخبز والأزقة والحارات، بل هي معركة وجودية تقتضي من النخبة أن تخلع ثوب الواعظ وتلبس ثوب المحارب الحقوقي، محارب لا يهادن في قضية المعتقلين والمخفيين قسراً، ويؤمن بأنّ العدالة لا تكتمل إلا بفتح الصناديق السوداء ومحاسبة كلّ من تلطخت يداه بدم أو دمع.
لقد حان الوقت لنخبة تملك الشجاعة للنزول من برجها العاجي وصناعة السياسة فناً للممكن، والثقافة فناً للبقاء، فالشعب الذي خرج من النكبات الكبرى لم ينتهِ، ولكنّه ينتظر بوصلةٍ لا تخطئ الاتجاه، بوصلةٍ تشير بوضوح إلى أنّ الحقوق لا تُستجدى بالبكائيات والدموع، بل تُنتزع بالوعي والقانون والعدالة.

