مدونات

ثائر امتلك النجاة فاختار الموت

ديسمبر 18, 2025

ثائر امتلك النجاة فاختار الموت

عبدالكريم بوشي 

 

في عام 2013، كانت مدينة حلب تقف أمام مرآة تاريخها، ساحة اختبار كبرى لم تترك لأبنائها خيارات رمادية، ولم تمنحهم مساحة للتفكير بقدر ما فرضت عليهم خياراً وحيداً. كان المشهد قاتماً، مثقلاً بغبار القصف الذي صدع أرواح البشر قبل حجارة المباني، يرافقه أزيز الطيران الذي تحوّل إلى نمط حياة لسكان حلب الحرة. في تلك اللحظات الفاصلة، انقسم الناس قسراً؛ فئة تبحث عن ثقب نجاة تهرب منه بأهلها من جحيم الدمار ومدافع الطغاة، فتركت البلاد نحو تركيا وأوروبا، وفئة أخرى وجدت نفسها محاصرة بين القصف الجوي والتهديد بالتهجير، بينما النصف الآخر من المدينة مليء بحواجز الأمن والتشبيح وتهديد التغييب والاعتقال. كان خيار الكثيرين هو “النجاة بالنفس”، ولكن، ولأنّ لكلّ قاعدة استثناء، ولكلّ ملحمة أبطالها الذين يسبحون عكس التيار، كان لا بد للتاريخ أن يتوقف عند اسم عامر غجر، الشاب الذي امتلك كل أسباب الرحيل، لكنّه آثر البقاء.

وُلد عامر غجر في مدينة الشهباء عام 1991، في حي الفرقان، أحد أرقى أحياء حلب الغربية. نشأ عامر في كنف عائلة ميسورة الحال، موفّرة له حياة الرفاهية والاستقرار التي يحلم بها أيّ شاب. كان طريقه مرسوماً بعناية نحو مستقبل تجاري وصناعي، حيث التحق بجامعة إيبلا الخاصة لدراسة إدارة الأعمال، ليكتسب الخبرة العلمية اللازمة ليكمل طريقه المرسوم. لكن للأقدار خططاً أخرى غير ما نرسمه ونخطّط له.

لم يكن في حسابات الشاب أن يلتحق بخدمة العلم قبل أن يكمل دراسته، وما زال في سنته الأولى. ففي أواخر عام 2010، ساقت الأقدار عامر إلى الخدمة العسكرية الإلزامية. لم يكن يعلم حينها أنّ بدلة الجيش التي ارتداها ستكون نقطة تحوُّل حاسمة في حياته وشخصيته وتاريخه.

تمَّ فرز عامر ليخدم في فرع الأمن السياسي، أحد أكثر الأجهزة الأمنية سطوة وغموضاً. ومع اندلاع شرارة الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، تحوَّل موقع خدمته من مجرّد تأدية واجب إلى نافذةٍ يطلُّ منها على الحقيقة والواقع المظلم لهذا النظام، وما يرتكبه من جرائم بحقِّ الشعب. خلال تنقلاته وخدمته، رأى عامر بعينيه ما كان الإعلام الرسمي يستميت في إخفائه؛ شاهد المظاهرات وإطلاق النار على المتظاهرين، والقمع الوحشي في درعا وريف دمشق، ورأى كيف يُقتل المتظاهرون بدمٍ بارد، وكيف تُحاك الأكاذيب لتشويه صورة الثورة، وشهد كواليس التمثيليات المزيفة التي نسجها النظام وصدّرها للإعلام.

وهنا جاءت اللحظة الفارقة، لحظة الامتحان الأخلاقي الأصعب، حين صدرت له الأوامر المباشرة والميدانية بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين. في تلك الثانية الحاسمة، وجد الإنسان نفسه أمام اختبار الضمير الأقصى: أن يكون إنساناً منحنياً لشعبه وأخلاقه، أو أن يتحوّل إلى آلةٍ صمّاء بيد الطغاة. لكنَّ عامرًا انحاز لشعبه وضميره، بل أصبح فيما بعد ناراً على الظالمين.

 

بحكمةٍ وثبات لا مثيل لهما، بدأ عامر التخطيط لمصيره الجديد. ففي أواخر عام 2011، رتب عملية انشقاقه بهدوءٍ وحذر شديدين. كان يدرك أن انشقاقه من قوات النظام يعني حكماً بالإعدام أو الاعتقال الأبدي له ولعائلته. لذا، كانت خطوته الأولى هي تأمين خروج أهله من سوريا، طالباً منهم السفر فوراً لتجنيبهم ويلات الانتقام الأمني والملاحقة.

وبعد أن اطمأن إلى سلامة عائلته، وجد عامر نفسه وحيداً أمام مفترق طرق مصيري: طريق مفتوح إلى تركيا ومن ثمّ إلى أوروبا، وأموال كافية، حيث الأمان والمستقبل والدراسة؛ أو أن يختار البندقية ومصيراً مجهولاً في مدينته التي بدأت تحترق من نيران النظام وقصفه الهمجي.

هنا تكمن عظمة قصة “أبو ماجد”. بعض ممّن حملوا السلاح في بداية الثورة والذين كانوا ممّن سُدت في وجوههم سبل العيش، أو لوحقوا في أحيائهم وقراهم، و منهم من خرج جهاداً و بدافع ديني، أو ممّا رآه ولمسه من وحشية النظام وظلمه، لكنّ عامرًا كان يملك “مفاتيح الخروج الآمن”. كان بإمكانه أن يكون لاجئاً ميسور الحال في أيّ عاصمةٍ أوروبية، يكمل دراسة إدارة الأعمال ويتابع الأخبار عبر الشاشات.

لكنّه، وبدافع من ضميرٍ حيٍّ وصدمةٍ ممّا رآه و شهده من ظلم ، أحرق قارب النجاة ومزّق التذاكر، وقرّر البقاء. 

تحوَّل طالب الجامعة الأنيق إلى مقاتلٍ ثائر في شوارع حلب، معلناً انحيازه الكامل للضحية ضد الجلاد، نعم، إنّها ثورة الكرامة، ثورة المظلوم على الظالم. عامر كان ممّن حطّموا السردية التقليدية للثورات (البيئة الفقيرة، الدافع الديني)، ليكون أساس انحيازه للثورة هو محاربة الظالم والسلطة القمعية.

انضم عامر إلى صفوف الثوار، متخذاً اسم “أبو ماجد”. وبفضل الخلفية العسكرية التي اكتسبها، والخبرة الميدانية التي راكمها، برز كقيادي محنك في لواء حلب المدينة الإسلامي، وتولى قيادة كتيبة قوافل الشهداء.

في المعارك، لم يكن أبو ماجد ذلك القائد الذي يصدر الأوامر عبر الأجهزة اللاسلكية من الغرف الخلفية الآمنة. يروي رفاقه أنّه كان دائماً في “رأس الحربة”، يتقدّم الصفوف الأولى في الاقتحامات، ويشاطر رجاله الخطر والجوع والتعب. كان يرى في تقدمه واجباً أخلاقيًّا؛ فمن اختار البقاء طواعية وهو قادر على الرحيل، لا يليق به إلا أن يكون في المقدمة.

في شهر تموز/ يوليو عام 2013، كانت حلب تشهد أحد أصعب فصولها العسكرية. وفي خضم تلك الاشتباكات العنيفة، وعلى جبهة الراشدين تحديداً وعلى خطوط التماس التي لا ترحم، ترجَّل الفارس. ارتقى عامر غجر شهيداً، مقبلاً غير مدبر، ليسدل الستار على حياةٍ قصيرة زمنياً، لكنّها عميقة المعنى والأثر.

لقد ترك عامر غجر (أبو ماجد) خلفه رسالةً بليغة لكلِّ الأجيال القادمة؛ رسالة مفادها أنَّ الثورة لم تكن يوماً “خيار من لا خيار له”، بل كانت خيار الأحرار الذين امتلكوا الدنيا بأيديهم، لكنَّهم ألقوها خلف ظهورهم وانتصروا لمبادئهم، مفضّلين الموت بشرفٍ في أزقّة المدينة المدمرة وبين أهلها الطيبين، على الحياة بنعيمٍ في منافي الغربة الباردة.

 

شارك

مقالات ذات صلة