مدونات

ذكرى التحرير يوم للهدم والتالي للبناء

ديسمبر 9, 2025

ذكرى التحرير يوم للهدم والتالي للبناء

يونس العيسى

 يوافق يوم الإثنين 8 كانون الأول 2025 مرور عام على تحرير سوريا من سلطة نظام الأسد، والذي كان إنجازاً لثورة ظلّت متقدة على  مدار سنوات عديدة حتى نيل الحرية، هذه الذكرى تمر وتعود بذاكرة الشعب إلى سنوات ماضية، ولكن ليس بعدد الشهور أو السنين إنّما بحسابات امتدت الى عمر أجيال بكاملها لم تعرف سوى الأسد وابنه يغتصبون السلطة في سوريا، تركوا وراءهم عقوداً من الطغيان والخراب والفساد، دُفع ثمنه الكثير من التضحيات وآلاف الشهداء والمعتقلين والمهجرين من أجل الخلاص من تلك السلطة الغاصبة.

ذكرى التحرير تنطق بأوجاع التاريخ الماضي التي خلّفها النظام البائد، وأحلام المستقبل بدولةٍ جديدة تسودها الحرية والعدل، في هذه الذكرى يجب أن ننظر إلى الواقع الراهن فالثورة السورية قامت في ظروفٍ كان البعض ينظر إليها بعين الازدراء وآخرون بعين الخوف، وطرف ثالث مذبذب ينظر حتى ينتصر طرف ويقف بصفه، رغم أنّ انطلاقتها وشعاراتها تلبي مطالب كلّ الشعب السوري، لكن لم يهتدي لها ويلبي نداءها إلا الأحرار المتعطشين للحرية والكرامة وإسقاط نظام الطاغية.

وفي هذه الذكرى يعود الماضي بكلّ ثقله، وتعود معه سنوات الثورة بما حملته من بطولاتٍ ومواقف صنعت مسار التحرر. نستعيد صور الذين واجهوا القمع بصبرٍ وعزيمة، والذين واصلوا الطريق رغم السجون والتهجير، بوصفهم الركيزة الأولى لمسار الانعتاق من الاستبداد.

يقف السوريون على مفترق طرق بنهاية عام وبداية عام جديد، لتقييم الأحداث والسنوات التي مرت قبل ذلك التاريخ وبعد سنة على مروره، وكيف تحرّرت البلاد من قبضة نظام الأسد وسلطته وفر هارباً خارج البلاد.

ويستذكر الشعب السوري الثائر كلّ ما حملته سنوات الثورة من انتصارات وإخفاقات، وأحزان، وأفراح تلتصق تفاصيلها وتواريخ حدوثها بذاكرته التي ستظل شاهدة على مرّ التاريخ عن نضال شعب ثار بقوة وإقدام بوجه نظام طاغية حكم سوريا بالنار والحديد على مدى عقود، فكانت الثورة الابن الشرعي لوعي الشعب الثائر بالظلم الذي يمارس عليه ومرارة الواقع المفروض عليه، والسعي لتذوق حلاوة الحرية، فحدد الشعب هدفه بإسقاط النظام الظالم الذي يغلق كلّ طرق التحرر بوجهه من خلال جيشه وأمنه وسلطته القمعية ومؤسساته الوظيفية التي صيّرها لخدمة سلطته وتحقيق مآربه.

منذ الأيام الأولى للثورة، أوضح السوريون مطالبهم: إسقاط منظومة الاستبداد بكلّ أركانها. ومع سنوات الصمود ومعركة التحرير التي أسقطت رأس النظام، بات الانتقال إلى مرحلة استعادة الدولة ضرورة لا تأخير فيها. إنّها المرحلة التي لا تقتصر على إزالة النظام السابق، بل تمتد إلى إعادة بناء المؤسسات وتطهيرها من إرث الفساد.

ولا ننسى التضحيات التي قدّمها الشعب في سبيل استعادة الدولة ومؤسساتها، والواجب لبنائها بكفاءة وصلابة الكتلة الثورية داخلها حتى لا تكون مؤسسات هلامية نظامها الداخلي من عهد النظام الذي ثار  الشعب ضدّه، حيث لا تجد فرقاً بين ما يقوم به من هدمٍ وبناء سوى أنّه تنازل عن تضحيات الشعب لموظفين ممتهنين ارتزاقيين كانوا جزءاً من منظومة مؤسسات فاشلة، ويريد الكثير منهم الحفاظ على سور فسادها ليخفي تكويعه وسوأة وقوفه بصف طاغية هدّم البلاد وهجّر العباد.

فالشعب السوري الثائر يريد هدم سلطة قبيحة سيئة بشخوصها ونظامها، وبناء دولة مؤسسات الحقّ والعدل، وفي سوريا الجديدة يريد الشعب وقف كلّ عمليات ومحاولات التفاف غير مشروعة على مشروع التحرّر والخلاص من الطغيان، سواء من الخارج أو الداخل ممثّلة بقوى الفلول ومليشيات قسد والهجري، وكذلك الدود المتلون الذي ينشط وينخر في بطن المؤسسات.

معركة البناء يجب أن تتوحد فيها كافة الجبهات السياسية والعسكرية والقانونية والإعلامية ويشمل التغيير كلّ المؤسسات، حتى لا يُهدم التحرير، ونجعل من كيان الدولة ومؤسساتها كعكة سمينة يحاول كلّ متربص التحالف حتى مع الشيطان لينتزعها من الشعب الثائر الذي استردها.

فالثورة تعني التغيير الجذري الشامل للواقع الذي عاشه الشعب السوري مرغما قبل التحرير، والتغيير الثوري التحرري يتضمن عمليتين هما الهدم والبناء، هدم النظام القديم وقد نجح الشعب الثائر بذلك، والآن يريد بناء نظام جديد على أنقاض ما خلفه النظام المهدوم، والثورة لا تقتصر على هدم النظام القديم ورأسه فقط، بل تعمل جاهدة على بناء نظام جديد بحيث لا تطول عملية الهدم وتستثني ركنا يهدد بنيان المجتمع وأسس تعايشه وتقوى شوكة فلول النظام البائد والقوى الأخرى التي تعزف على وتر الطائفية والهويات الفرعية كمدخل للتدخل الأجنبي والانفصال عن الوطن الأم.

البناء قد يعيقه تراكم الظلم والاستبداد والفساد الذي عاشه الشعب بظل نظام الأسد، ونجاحه مرتبط بالهدم البناء لكل إرث ذلك النظام وبجميع المجالات وهذا بدوره يتم بقوانين التغيير، وأهمها العدالة الانتقالية البناءة التي تحرك الشعب وتدفعه للتضحية حفاظا على الدولة وتقديم وتوحيد كوادر وكفاءات الثورة  ووجود الخطط للبناء المُراد إقامته على أنقاض البناء القديم يعبّر عن مشروع وطني جامع لكلّ الشعب، وتحقيق أهداف قوى الثورة.

الذكرى الأولى لتحرير سوريا لحظة فارقة، ليس فقط في بعدها العسكري وهزيمة جيش الأسد وفراره، بل في شحذ وعي الشعب السوري وبلورة إدراك جديد لدى الجيل الجديد،  مفاده أنّ الحرية واستعادة البلاد وتحرير العباد لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالإرادة والتضحية والفعل الميداني.

وأنّ النصر لا يُهدى، بل يُنتزع، وأنّ البلاد التي روي كلّ شبرٍ من أرضها بالدماء يجب أن تُصان بالوعي، وشتّان بين من ضحّى واعتُقل وهُجّر وبين من كوّع ونافق وطبّل وصفّق.

فجيل سوريا الجديدة يجب أن يُدرك أن كل شهيد كان يُمهّد الطريق لحربة يعيشها هو اليوم وأنّ كل أسرة تهجّرت وفقدت أمانها كانت ثمنًا لبناء وطن جديد، وأن كلّ معتقلٍ رقمٌ مضافٌ في قيود جرائم نظام الأسد.

ومن رحم هذا الصمود، وُلد يوم التحرير وهو ليس مجرّد احتفال وذكرى تُروى، بل مسار يجب أن يُستكمل، وبالتالي يجب فهم أهمية هذا الحدث في سياقه السياسي والقانوني والتاريخي ما يصنع الفرق بين جيل يحفظ الذكرى وجيل يصنعها.

في مسار صراع الثورة السورية مع جيش نظام الأسد ومن كان يدعمه من قوى إقليمية وخارجية وانتصارها عسكريًّا وميدانيًّا يجب أن يترجم بالقدرة الكاملة وبشتى المجالات على حماية مكتسبات ذلك النصر، ومنع كلّ عدو من يعمل على عدمه عبر وسائل غير تقليدية تحاك في الخفاء وقد يكون خطيراً إذا استُهين به.

ففي اليوم الأول لسقوط نظام الأسد وفي هذه الذكرى التي  يحتفل بها الشعب بالتحرّر يُدبر الأعداء لاستنزاف ذلك الانتصار من الداخل، عبر أدوات ناعمة منها: الطائفة، والعرق، والدين، الأقليات، الانقسام، وكل هوية فرعية.

وبعد سنواتٍ من عمر الثورة وبعيد التحرّر يتطلع السوريين الأحرار لترجمة النصر والحفاظ عليه، ومنع خروج نتائجه وثماره عن الأهداف التي حملها الثوار وهم يحملون أكفانهم على أكفهم قبل تحقيقه، أو محاولة أعداء الثورة والتحرر إفراغه من مضمونه وهدمه.

فالثورة السورية قامت لرغبة الشعب بهدم أركان نظام الاستبداد وبناء نظام العدالة والمواطنة والعيش بكرامةٍ وحماية الحقوق والحريات، وكان هذا مطلب الشعب بقوله” الشعب يريد إسقاط النظام، وتحقيق هذا الهدف كان يستلزم ثورة تهدم وتبني في آن معاً.

والبناء يبدأ من لحظة الهدم والتحرير، من خلال تطبيق العدالة وتحسين الواقع الاقتصادي وتمتين الثقة بين الحكومة والشعب وبناء المؤسسات على أسس ومعايير سليمة وواضحة وعدم اقتصار البناء على التغيير الشكلي في هرم المؤسسات وشخوصها، حتى لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً.

البعض يحاول التقليل من شأن الثورة السورية وأنّه بعد التحرير انتهى دور ثوارها وأصبح الدور للبناء. نعم الدور للبناء والإعمار، ولكن الثورة لم تكن ترفًا بل كانت تريد هدم النظام من أجل البناء في مختلف المجالات وتواجه الآن مشهداً تتسع فيه هوة الانفصال بين الثورة ومآلاتها.

الثورة كانت جهد كفاح طويل لشعبٍ ثائر ما زال صداها حيًّا في ضمير الأحرار، في حين يحاول المكوّعون والرماديّون اجتثاثها وتسويقها كمنجز ماضٍ لا صلة له بالحاضر، في حين أنّ الثورة ستبقى ماضيًا يُمجد، وحاضرًا يُخاض، ومستقبلًا يُصنع.

وإذا كان للثورات أعمارٌ تُقاس بما تمنحه من وعيٍ وكرامةٍ وسيادة، فإنّ الثورة السورية رغم كلّ ما صنعته من إنجازات وما قدّمت من تضحيات ما تزال تعاني من وهنٍ عميق في الوعي بها، ما يجعل الدفاع عنها اليوم عملاً أقرب إلى الثورة الثقافية والفكرية.

الثورة لا تحتاج التغني بالشعارات، بل يجب تشريح اختلال الوعي بها، واستعادة روحها التي يحاول الكثير من أعداءها قتلها، ويجب البناء بما يليق بتضحيات الشعب الثائر، لا بما ارتضاه المنتفعون من تحويلها إلى سلعةٍ ومكاسب ومناصب في مزادات رفع رايتها والتغني بشعاراتها والتقرب من قياداتها.

فالثورة وهدمها لأركان النظام الأسدي وبناء الدولة لم ولن يكونوا  مجرّد حدث عابر، بل وطن ، ودولة، و أجيال و فداء وتضحيات، وبطولات كتبت بالدم.

شارك

مقالات ذات صلة