مدونات
محمد أبو حلقة
عامٌ واحد فقط مرّ منذ تلك اللحظة التي كانت لسنواتٍ طويلة، أشبه بسرابٍ يلوح من بعيد ثمّ يختفي كلما اقتربنا منه. عامٌ على النصر الذي لم يهبط علينا كهديةٍ من السماء، بل خرج من قلب الأرض، من أقدامٍ مشت فوق الشوك، وصدورٍ اتسعت للألم حتى ضاقت الحياة نفسها، وعيونٍ لم تغمض يوماً عن الحقّ، ودماءٍ طهّرت الطريق لتكون شاهدةً على أنّ هذا الوطن لم يسقط يوماً، بل كان ينتظر أبناءه كي ينهض معهم.
عامٌ واحد… لكنّه كافٍ ليقول إنّ الليالي المظلمة انتهت، وإنّ فجراً ظلّ يتردّد طويلاً عند الأفق، قد وجد أخيراً اللحظة المناسبة ليضيء وجه البلاد.
لم يكن النصر حدثاً خاطفاً، ولا صرخةً واحدة تُطوى بعدها كلّ فصول الوجع. كان حصيلة صبرٍ لا يشبه أيّ صبر؛ صبرٍ اختُبر بالخوف والغربة والخذلان والرماد، لكنّه ظلّ واقفاً لأنّه يعرف أنّ الوطن لا يُستعاد بالكلام، ولا بالأماني، بل بالاختيار الصعب، وبالثبات حين ينسحب الجميع. لقد كان النصر نضجاً قبل أن يكون انتصاراً، وفهماً بأنّ الحرية قرارٌ مستمرّ، لا لحظة عابرة في التاريخ.
وفي هذا العام تغيّرت الوجوه. ليس لأنّ الزمن يمحو ملامح البشر، بل لأن التجربة تُعيد تشكيل الأرواح. من حملوا مسؤولية النصر فوق أكتافهم لم يعودوا كما كانوا؛ صارت خطواتهم أثقل، وكلماتهم أعمق، ونظرتهم إلى الحياة أكثر وضوحاً. اكتشفوا أنّ النصر ليس نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية. فبعده تبدأ مهمة البناء، ومواجهة الفراغ الواسع الذي تركته الحرب، والغياب الذي لا يزال يرنّ في الزوايا كصدى بعيد.
ورغم كلّ ما تغير، ما زال في الظلال بقية نور. أسماء الشهداء ما تزال تتردّد كأنّها آيات مقدسة، وأرواحهم تربت على أكتافنا وتذكّرنا أنّ الطريق الذي نمشيه اليوم هو الطريق الذي اختاروه أولاً. نحن لا نكمل المسير وحدنا؛ نحن نمشي مع الذين رحلوا دون أن يروا الثمار، ومع الذين جُرحوا وما تراجعوا، ومع الذين يحرسون فجر البلاد بعينٍ لا تنام.
أمّا الوطن، فرغم انتصاره، ما يزال يحصي خسائره: بيوت تهدّمت، مدن تبدّلت خرائطها، قرى هُجّر أهلها، وذكريات انطفأت في زوايا كثيرة. ومع ذلك، فإنّ إعادة البناء ليست حجارة فوق حجارة، بل قرارٌ جماعي بأنّ الحياة تستحق أن تُستعاد، وأنّ الوطن لا يُعرف عندما يحترق فقط، بل عندما ينهض أيضاً من رماده ليصنع ملامح جديدة أكثر صلابة.
هنا يأتي دور الإنسان. الإنسان الذي حمل السلاح ذات يومٍ ليحمي كرامته، ثمّ حمل اليوم مطرقةً ليبني مستقبله. الإنسان الذي يكتب على جدران الوقت أنّ هذا الوطن لن يكون هشاً بعد الآن، وأنّ الحرية التي دُفِع ثمنها بالروح لن تُستبدل بأيّ وهمٍ جديد.
عامٌ على النصر، وما زلنا نتعلّم. نتعلّم كيف نحزن دون أن ننكسر، وكيف نذكر دون أن نتوقف، وكيف نحب البلاد حباً لا يُشبه الشعارات، بل يشبه اليد التي تمتد لتزرع، والقلب الذي يتسع للجميع، والذاكرة التي تحفظ الدرس كي لا تتكرر المأساة.
فالنصر الحقيقي لا يُقاس بمساحة الأرض التي تحررت فقط، بل بقدرتنا على حماية ما تحرر، وعلى بناء مستقبلٍ لا يعود أبناؤنا فيه إلى النقطة ذاتها التي بدأنا منها. أن ننتصر مرّة واحدة يعني أن نكون جديرين بالسلام القادم، وأن نصنع وطناً يسع اختلافنا كما يسع أحلامنا.
اليوم، بعد عامٍ كامل، ندرك أنّنا لم نصل إلى النهاية بعد. لكنّنا نعلم أيضاً أنّ الطريق الذي بدأناه لا عودة عنه… لأنّنا ببساطة، دفعنا ثمنه كاملاً.
عامٌ على النصر… وما زال الوطن يتشكّل مجدداً.

