مدونات
جيهان رمضان
في 8 كانون الأول/ ديسمبر، سجّل السوريون يوماً سيبقى مطبوعاً في ذاكرة الوطن لأجيالٍ طويلة. يومٌ لم يكن مجرّد تاريخ على الروزنامة، بل محطة مفصلية انتهى فيها فصلٌ طويل من الألم، وبدأ آخر مليء بالتطلّع، وإعادة البناء، واستعادة ما فقدته البلاد خلال سنوات الحرب القاسية.
بعد أكثر من عقد من الانقسام والخسارات، جاءت لحظة التحرير استجابة لصبر الناس أكثر ممّا كانت انتصاراً سياسياً أو عسكرياً. كان السوريون يبحثون عن لحظةٍ يعيدون فيها تعريف وطنهم، يعيدون فيها ترتيب حياتهم المبعثرة، ويجمعون ما تبقى من قوتهم ليبنوا مستقبلاً مختلفاً عمّا عاشوه. وفي هذا اليوم، بدا أنّ تلك اللحظة قد وصلت أخيراً.
خرج الناس كما لم يخرجوا منذ سنوات. وجوه متعبة، لكنّها مشرقة بنور يشبه الفجر الأول بعد ليلٍ طويل، خطوات مترددة لكنّها ثابتة، وملامح تحمل مزيجاً من الارتياح والدهشة، كأنّ البلاد تتعلّم كيف تتنفّس من جديد بعد زمنٍ انقطع فيه الهواء. وبين كلّ هذه المشاهد، كان الشعور واحداً: البلد رجعت لنا وإجا وقت نرجّع حالنا إلها.
ورغم الفرح الذي عمّ الأجواء، يعرف السوريون تماماً أنّ يوم التحرير ليس خطّ النهاية، بل هو بداية الطريق الحقيقي. فالدمار الذي شهدته البلاد لم يكن نتيجة الحرب وحدها، بل كان حصيلة سنوات طويلة من الإهمال، والفساد، والسياسات التي اتّبعها النظام البائد، والتي تركت مؤسسات الدولة منهكة، وبنية تحتية هشّة، واقتصاداً بالكاد يقف على قدميه. ومع ذلك، يبرز اليوم مزاج عام مختلف؛ إصرار على البناء بقدرات محلية، ودعم المشاريع الصغيرة، وإحياء القطاعات التي أُهملت عمداً لعقود، وعلى رأسها الزراعة والصناعات التي شكّلت يوماً أساس قوة البلاد.
خبراء اقتصاديون وسياسيون يشيرون إلى أنّ مرحلة ما بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر ستكون مليئة بالتحديات، لكنّها أيضاً مليئة بالفرص. فعودة الاستقرار، وحماس فئة الشباب، واندفاع المبادرات المدنية، كلها عوامل قادرة على إطلاق دورة اقتصادية جديدة. وقد بدأت بالفعل مجموعات شبابية بتنظيم حملات لإعادة تأهيل المدارس، تنظيف الأحياء، دعم الأسر المتضررة، وإحياء الحرف التقليدية التي كادت تختفي خلال سنوات الخراب.
أمّا الحكومة الجديدة، فتقف أمام امتحان لا يشبه أيّ امتحان سابق. فالمطلوب اليوم إصلاحات حقيقية وجريئة، تعيد الثقة بالمؤسسات، وتفتح الباب أمام الاستثمار، وتُشعر الناس أنّ الدولة هذه المرّة جزء من الحل لا جزء من المشكلة. وكلّما كانت الخطوات شفافة وواقعية، كلّما تسارعت عملية النهوض وازدادت قدرة البلاد على استعادة مكانتها الطبيعية.
ورغم أنّ الطريق ما زال طويلًا وثقيلاً، إلا أنّ هذا اليوم كشف شيئًا مهمًا عن السوريين: قدرتهم على تجاوز المستحيل. فقد صمدوا، خسروا، عادوا، وتمسّكوا بالحياة رغم كلّ الأثمان. واليوم، يقفون على أبواب مرحلةٍ جديدة يكتبون فيها مستقبلًا يليق بتعبهم وصبرهم وتاريخهم.
ويبقى السؤال الذي يدور في أذهان الكثيرين: هل سيكون 8 كانون الأول/ ديسمبر بداية سورية جديدة فعلاً؟ السوريون، كما يظهر من وجوههم وأصواتهم في هذا اليوم، يؤمنون أنّ الجواب… نعم.

