مدونات

ذكرى معركة صنعت روح الوطن

نوفمبر 28, 2025

ذكرى معركة صنعت روح الوطن


محمد أبو حلقة

في مثل هذا اليوم يعود إلينا عام كنسمةٍ محمّلة بذكرياتٍ لا تهدأ، نقف أمام معركةٍ لم تكن مجرّد فصلٍ عسكري في كتاب الحرب، بل كانت لحظةً شعرية كُتبت بالدم والأنفاس الثقيلة: معركة ردع العدوان.

لم تكن مجرّد اسمٍ يمرّ على الذاكرة؛ كانت صرخة وطنٍ أُنهِكَ، ثمّ قرر أن يقف على قدميه مهما تداعت السماء فوقه.

في تلك الساعات الأولى، قبل أن يعلو غبار المعركة، كانت البلاد ترتجف مثل وترٍ مشدود. الأمهات يضممن أبناءهنّ كأنّهن يخفينهم من قدرٍ قاسٍ، والرجال يحدّقون في الأفق الذي لم يكن واضحاً بعد،

والشباب يمسحون عرق الخوف عن جباههم ليضعوا مكانه عزيمةً صافية.

كانت رائحة الأرض يومها تشبه شيئاً بين المطر والرماد، شيئاً يفهمه الذين يعرفون أنّ الوطن لا يتكلم إلا حين يُجرَح.

ثمّ بدأت ردع العدوان، لا كمعركةٍ تشتعل فجأة، بل كنبضٍ يتسع، كصوتٍ يعلو من قلب كلّ بيت، خرج فيها المقاتلون كمن يخرج من دفاتر الأيام الأخيرة، يحملون على أكتافهم ثقل ما فُقِد، وما يجب ألا يُفقد مرة أخرى.

وحين اشتعلت، لم تكن مجرد مواجهة. كانت إعلاناً بأن البلاد، مهما عانت، ما زالت قادرة على أن تردّ الضربة بضوءٍ من داخلها.

كانت المعركة درساً قاسياً وجميلاً في الوقت ذاته، قاسياً لأنّها أعادت إلينا وجوهاً لم تُكمل رحلتها،

وجميلاً لأنّها أثبتت أنّ الدم حين يسقط على ترابٍ يحبّه، يتحوّل إلى جذور.

لقد حمل الثوار يومها شيئاً أكبر من السلاح، حملوا ذاكرة المدن التي تهدّمت، وصوت الأطفال الذين لم يكبروا بعد، وأحلام من رحلوا وهم يلوّحون للغد.

وليس من السهل أن نتذكر التفاصيل، فالوجع يجعل الصور مضطربة، لكننا نتذكر جيداً ذلك الإصرار الذي كان يلمع في العيون، والخطوات التي مضت إلى الأمام بلا تردد، والدعاء الذي ارتفع من صدور الأمهات ومع انتهاء المعركة، لم يتوقف أثرها.

فبعض المعارك تنتهي عند حدود التراب.. إلا ردع العدوان، فقد استمرت داخلنا، صارت جزءاً من طريقة مشينا، من نظرتنا للأشياء، من إحساسنا بأن هذا الوطن، مهما مالَ على كتفه، يستطيع أن يستعيد توازنه حين نقف تحته.

وفي كل ذكرى، تعود البلاد لتضع يدها على قلوبنا، وتقول لنا بصوتٍ يشبه حناناً قديماً: “أنتم لم تخذلوني حين احتجتكم”.

ولهذا، لا تعود المعركة ذكرى حرب فقط، بل ذكرى حضورٍ إنساني عميق، ذكرى أنّنا كنّا قادرين على أن نردّ الألم، لا بالموت، بل بالإصرار. وأنّ الأرض حين تحب أبناءها، تمنحهم قوة لا يعرفها المعتدون.

اليوم، في ذكرى انطلاق معركة ردع العدوان، نستعيد كلّ شيء: الوجوه، الصرخات، الرجفة الأولى، والدعاء الذي كان يفتح الطريق.

نستعيد اللحظة التي فهمنا فيها أنّ البلاد ليست مكاناً نعيش فيه، بل كائنٌ يحبّنا، ويريد أن يبقى حياً بنا، هذه ليست ذكرى معركةٍ فقط… هذه ذكرى قلبٍ جمع شتاته، ووقف، وقال للمعتدين: لن تمرّوا

شارك

مقالات ذات صلة