مدونات
يقف السوري اليوم بين واقعين شديدي القسوة، محاولاً الموازنة بين حياةٍ تزداد صعوبة في تركيا، وبين وطنٍ يحنّ إليه لكنّه غير قادر على العودة إليه. هو عالق بين خيارين، كلٌّ منهما أثقل من الآخر، فيما الأمل بمستقبل أوضح يبدو أبعد يوماً بعد يوم.
لسنوات، كانت تركيا وجهة يلجأ إليها الكثير من السوريين بحثاً عن بداية جديدة. غير أنّ الظروف الاقتصادية القاسية في السنوات الأخيرة جعلت الحياة فيها عبئاً يومياً. فالأسعار ترتفع بوتيرةٍ لا تتوقف، بينما تبقى الأجور على حالها أو ترتفع بنسب لا تُسعف الغالبية.
أصبح دخل معظم السوريين اليوم بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية: إيجار المسكن، الفواتير، والطعام. أمّا فرص العمل، فهي تتقلص تدريجياً مع تغيّر السوق وازدياد المنافسة، لتتحوّل الوظائف المتاحة إلى أعمال مرهقة بأجور لا تكفي لضمان حدٍّ أدنى من الاستقرار.
رغم كلّ الضغوط في تركيا، تبقى سوريا بالنسبة لكثيرين مكاناً يختزن ذكريات وجذوراً يصعب التخلي عنها. إلا أنّ العودة ليست قراراً بسيطاً، ولا حتى خياراً متاحاً للجميع.
فالوضع الاقتصادي في سوريا لا يسمح لمعظم العائدين ببدء حياة جديدة. غياب فرص العمل، ضعف الدخل، وغياب مقومات الاستقرار يجعل العودة مخاطرة قد لا يستطيع الفرد تحمّل نتائجها.
أضف إلى ذلك أنّ السوري الحامل لـ”كملك” الحماية المؤقتة لا يمكنه دخول سوريا إلا ضمن ما يُسمّى “العودة الطوعية”، وهي عودة نهائية لا يمكن التراجع عنها. الأمر الذي يجعل قرار العودة أكثر تعقيداً وصعوبة، حتى لمن تزداد غربته في تركيا يوماً بعد يوم.
وهكذا يجد السوري نفسه بين بلدٍ يشتدّ عليه العيش فيه، وآخر لا يستطيع العودة إليه. بين تركيا التي تضيق فيها الظروف المعيشية، وسوريا التي لا تتيح مقومات حياة مستقرة، تتشكّل حالة من الانتظار القاسي، ومحاولة مستمرة للتماسك رغم الضغوط.
ومع كلّ ذلك، يظلّ السوري متمسّكاً بالأمل، محاولاً أن يجد طريقاً آمناً وسط عالم يتغير بسرعة، وحياة لا تمنحه الكثير من الخيارات.


