مدونات

كرة القدم السورية وصراع الإرث القديم

نوفمبر 24, 2025

كرة القدم السورية وصراع الإرث القديم

 

 همام فيض الله

لطالما كانت الرياضة السورية، وكرة القدم على وجه الخصوص، مرآة تعكس المشهد السياسي والإداري العام في البلاد. فمنذ تأسيس الاتحاد السوري لكرة القدم في عام 1936، لم تخلُ مسيرة الانتخابات والإدارة من الجدل، الذي وصل ذروته مع هيمنة حزب البعث الحاكم وتأسيس منظمة الاتحاد الرياضي العام عام 1971، ليتحوّل القطاع الرياضي إلى ساحة نفوذ ومحسوبيات بدلاً من كونه حاضناً للمواهب والإنجازات، وقد تجسّد هذا التاريخ الطويل من التدخل السياسي والإداري في الانتخابات الأخيرة التي أفرزت رئيساً جديداً للاتحاد، وسط تعديلات مثيرة للجدل على شروط الترشح وعودة وجوه مرتبطة بالنظام السابق.

 تاريخ انتخابات كرة القدم في سوريا: من التأسيس إلى الهيمنة السياسية.

تأسس الاتحاد العربي السوري لكرة القدم في عام 1936، ليكون أحد أقدم الاتحادات الكروية في المنطقة والعالم العربي في تلك الفترة، كانت الأندية الرياضية تلعب دوراً مجتمعياً ووطنياً، حيث شاركت في الحراك السياسي ضد الانتداب الفرنسي ومع ذلك، فإنّ الاستقلالية الإدارية للاتحاد ظلّت محل تساؤل على مر العقود، خاصة بعد وصول حزب البعث إلى السلطة.

 شهد عام 1971 نقطة تحوّل مفصلية مع تأسيس الاتحاد الرياضي العام بموجب مرسوم تشريعي لم يكن هذا التأسيس مجرّد تنظيم إداري، بل كان عملية لربط الحركة الرياضية بشكلٍ مباشر بمكتب الشبيبة والرياضة القطري في حزب البعث وبذلك، أصبح الاتحاد الرياضي العام بمثابة المظلة العليا والجهة الحكومية التي تدير وتوجه كلّ الاتحادات الرياضية، بما فيها اتحاد كرة القدم، ممّا أدى إلى تسييس كامل للقطاع الرياضي.

“بدأت سيطرة النظام على الرياضة بقرار تأسيس الاتحاد الرياضي العام عام 1971، وربطه بـمكتب الشبيبة والرياضة القطري في حزب البعث، فأصبحت الرياضة… أداة من أدوات النظام”

 

هذا الهيكل الإداري، الذي نشأ في ظل هيمنة الحزب الواحد، رسخ ثقافة المحسوبيات والواسطات في التعيينات والانتخابات، حيث أصبح الولاء السياسي والإداري يتقدّم على الكفاءة والخبرة الرياضية وبدلاً من أن تكون الانتخابات عملية ديمقراطية لاختيار الأكفأ، تحوّلت إلى آلية لإعادة تدوير الوجوه المقربة من مراكز النفوذ، وهو ما يفسر الجدل المستمر حول شرعية ونزاهة نتائجها، وصولاً إلى الانتخابات الأخيرة التي جمعت بين فراس التيت والحكم الدولي جمال الشريف.

لماذا رُشح فراس التيت واختار فادي الدباس عوضاً عن جمال الشريف؟

أثارت الانتخابات الأخيرة لرئاسة الاتحاد السوري لكرة القدم جدلاً واسعاً، خاصة بعد فوز قائمة فراس التيت على قائمة منافسه جمال الشريف ويتركز الجدل في نقطتين رئيسيتين تكشفان عن آليات العمل الإداري والسياسي في الرياضة السورية:

أ. تعديل شرط الترشح: “تفصيل على مقاس”

سبق الانتخابات تعديل مثير للجدل على النظام الأساسي للاتحاد، كان أبرز بنوده إلغاء شرط الحصول على الشهادة الجامعية للترشح لمنصب الرئيس. وقد أثار هذا التعديل عاصفة من الانتقادات، حيث رأى فيه كثيرون “تفصيلاً على مقاس” المرشح فراس التيت، الذي لا يمتلك شهادة جامعية، ممّا أتاح له خوض الانتخابات.

دافع البعض عن التعديل بأنّه يفتح المجال أمام الكفاءات الميدانية من اللاعبين السابقين، معتبرين أنّ الخبرة الكروية أهمّ من المؤهل الأكاديمي لإدارة اتحاد كرة القدم لكن المعارضين رأوا فيه تراجعاً عن معايير الاحترافية وخطوة موجهة لتمكين مرشح محدّد، ممّا أشار بوضوح إلى وجود إرادة إدارية عليا تسعى لتمكين قائمة معينة من الوصول إلى سدة الاتحاد، بعيداً عن المنافسة النزيهة.

ب. عودة فادي الدباس: ذراع النظام السابق.

تصاعد الجدل بشكلٍ أكبر باختيار فراس التيت لفادي الدباس نائباً له، وهو ما اعتبره كثيرون عودة لـ “وجوه النظام” و”أذرعه” في القطاع الرياضي وتعود حساسية هذا الاختيار إلى ماضي الدباس:

وهو رئيس سابق لاتحاد كرة القدم (أيار/ مايو 2018 – آب/ أغسطس 2019).ويوصف بأنّه من الشخصيات المقربة من مراكز النفوذ، كما أنّه شقيق زوجة رجل الأعمال النافذ محمد حمشو. وفي أيلول/ سبتمبر 2019، أصدرت وزارة المالية في حكومة النظام قراراً بالحجز الاحتياطي على أموال الدباس المنقولة وغير المنقولة بتهم تتعلق بالفساد. وقد أثارت عودته للواجهة بعد هذه القضية تساؤلات حول كيفية “لفلفة” ملفات الفساد وعودة المتهمين بها إلى مناصب القرار. 

في المقابل، كان المرشح المنافس جمال الشريف يمثل تياراً يطالب بالتغيير الجذري والابتعاد عن الوجوه القديمة، ويحظى بدعم شريحة واسعة من الشارع الرياضي، خاصةً من يرى في الإدارة السابقة سبباً لتدهور اللعبة إلا أنّ فوز قائمة التيت، التي ضمّت الدباس، بفارق كبير (42 صوتاً مقابل 23 صوتاً)، أكد أنّ المحسوبيات والتكتلات الإدارية ما زالت هي العامل الحاسم في توجيه أصوات الجمعية العمومية، وليس الكفاءة أو الرغبة في الإصلاح.

ما الصعوبات والتحديات التي تواجه كرة القدم السورية؟

تتجاوز التحديات التي تواجه كرة القدم السورية مجرد نتائج الانتخابات، لتشمل منظومة متكاملة من المشكلات التي تعيق تطور اللعبة ومواكبتها للكرة الإقليمية. وتتمثّل أبرز هذه التحديات في:

1. الفساد الإداري والمالي المتجذر

يُعد الفساد الإداري والمالي التحدي الأكبر، حيث يتغلغل في مفاصل اللعبة من القمة إلى القاعدة. ويشمل ذلك:

  • التلاعب بالنتائج: تكررت في السنوات الأخيرة قضايا اتهام بالتلاعب بنتائج مباريات الدوري السوري، ممّا أدى إلى فقدان الثقة في نزاهة المنافسات.
  • هدر المال العام: صفقات مشبوهة في انتقال اللاعبين، وعقود إدارية غير شفافة، واستبعاد الكفاءات الأكاديمية والرياضية لصالح الموالين، ممّا يؤدي إلى هدر الموارد المالية المحدودة.

2. تدهور البنية التحتية وهجرة الكفاءات

أدت سنوات الصراع إلى تدمير وإهمال واسع النطاق للمنشآت الرياضية.

  • البنية التحتية: تدهور حالة الملاعب والمرافق الرياضية بشكل كبير، ممّا يؤثر على جودة التدريب والمنافسات المحلية، ويجعلها غير مطابقة للمعايير الدولية.
  • هجرة الكفاءات: نزوح عدد كبير من اللاعبين والمدربين والإداريين الأكفاء إلى الخارج بحثاً عن بيئة عمل أفضل، ممّا يضعف القاعدة الرياضية المحلية ويحرم المنتخبات من أفضل العناصر.

3. عدم مواكبة الكرة الإقليمية.

رغم أنّ سوريا “أرض مواهب خصبة”، إلا أنّ الإنجازات الكروية غالباً ما تكون “ارتجالية” ولا ترقى لمستوى المنافسة الإقليمية المستدامة. فبينما تتطور كرة القدم في الدول المجاورة مثل الأردن والعراق ولبنان على أسس احترافية وإدارية أكثر استقراراً، تبقى الكرة السورية أسيرة للتدخلات السياسية والإدارات غير المستقرة، ممّا يفسر تذبذب تصنيف المنتخب وضعف مستوى الدوري المحلي.

  1. انقسام الشارع السوري بين مؤيد لفراس التيت ومؤيد لجمال الشريف.

عكست الانتخابات الأخيرة انقساماً واضحاً في الشارع الرياضي السوري، لا يقتصر على مجرّد تفضيل شخصي، بل يمثل صراعاً بين تيارين يمثلان رؤيتين مختلفتين لمستقبل اللعبة:

فالمؤيدون لفراس التيت يرون أنّه بصفته لاعباً سابقاً، يمثل الخبرة الكروية الميدانية، وأنّ إلغاء شرط الشهادة الجامعية هو خطوة لتمكين الرياضيين من إدارة شؤونهم. كما أنّ فوزه يمثّل استمراراً للنهج الإداري القائم، وهو ما يفضله البعض لضمان الاستقرار أو لارتباطهم بالتكتلات التي أوصلته، تحت شعار “البناء والتطوير”.

أمّا المؤيدين لجمال الشريف يرون أنّه يمثل تياراً يطالب بالتغيير الجذري والابتعاد عن الوجوه المرتبطة بالفساد والتدخل السياسي. ويرى هؤلاء أنّ الشريف كان يمثل فرصة لضخ دماء جديدة وكفاءات إدارية بعيدة عن المحسوبيات، وأنّ فوز التيت وعودة الدباس هو تأكيد على أنّ “النظام خرج من الباب وعاد ودخل من الشباك” ، وأنّ الإدارة الجديدة هي امتداد للنهج القديم.

هذا الانقسام يعكس حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي التي تعيشها سوريا، حيث لم يعد من الممكن فصل الرياضة عن سياقها الأوسع. فالانتخابات لم تكن مجرّد اختيار لرئيس اتحاد، بل كانت تصويتاً على استمرار نهج إداري مثير للجدل، يرى فيه البعض استقراراً، ويرى فيه آخرون استمراراً للفساد الذي يعيق تقدم كرة القدم السورية، ممّا يضع تحديات جسيمة أمام الإدارة الجديدة لإثبات قدرتها على قيادة اللعبة نحو الاحترافية والشفافية بعيداً عن شبح المحسوبيات.

 

رغم هذا الاختلاف لدى المرشحين تاريخ حافل في الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكلٍ خاص حيث يتعبر فراس التيت رئيساً للاتحاد الرياضي السوري الحر الذي تأسس في عام 2015 وبقي في المنصب حتى تقديم استقالته في 2017 ونجح بقيادة وإنشاء دوري في مناطق الشمال وتنظيمه بشكلٍ رائع ضمن الموارد المحدودة وكان برنامجه يستند على: بناء اتحاد رياضي على أسس حديثة بعيد عن السياسة وبناء مدارس لتطوير الحكام المحليين والاهتمام أكثر باللاعبين المحليين مع إطلاق نظام الكتروني لتحديد العقوبات واللوائح والقواعد وغيرها ووضع خطة طويلة الأمد لتطوير المنتخب الوطني، بالإضافة لإنشاء أكاديمية وطنية للمدربين.

 

أمّا الحكم الدولي جمال الشريف ففضل أن يكون برنامجه مبنياً على خطى ثابتة مع إضافة التطوير والتحديث على اللعبة، حيث وعد بفصل السلطات وشفافية اللعبة مع إنشاء لجنة محاسبة وتقييم مستقلة بالإضافة لخطة تطوير المنتخب للوصول به إلى نهائيات كأس العالم 2030، مع الوعود بتقديم خدمة VAR في المباريات.

 

 

شارك

مقالات ذات صلة