سياسة

التصويت على إلغاء قانون قيصر: بين التشريعات الأمريكية وآمال السوريين

أكتوبر 11, 2025

التصويت على إلغاء قانون قيصر: بين التشريعات الأمريكية وآمال السوريين

شهد السوريون في الداخل والمهجر تطوراً وُصف بالدراماتيكي بعد تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي على نسخة ميزانية وزارة الدفاع التي تضمّنت مادة تقضي بإلغاء قانون قيصر. هذا القانون الذي فُرض عام 2020 بهدف الضغط على نظام الأسد ومحاسبته على الانتهاكات، تحوّل لاحقاً إلى عبءٍ ثقيل على كاهل السوريين، حيث امتدّت آثاره إلى تفاصيل حياتهم اليومية: من الغذاء والدواء إلى إعادة الإعمار والتحويلات المالية. ورغم أنّ إقرار مجلس الشيوخ لهذه المادة يُعتبر خطوة كبيرة، إلا أنّه ليس القرار النهائي، بل بداية لمسار تشريعي معقّد يتطلب المرور بعدة محطات قبل أن يصبح نافذاً بشكل كامل.

المسار التشريعي بعد تصويت مجلس الشيوخ

بعد موافقة مجلس الشيوخ، ينتقل مشروع الموازنة إلى مجلس النواب حيث لا بدّ أن تُعتمد نسخة مشابهة لتلك التي تضمّنت إلغاء القانون. وإذا ظهرت خلافات بين المجلسين، فسيُشكَّل فريق مشترك من الشيوخ والنواب للتوفيق وصياغة نص موحَّد يُعاد التصويت عليه. وفي حال نجحت هذه المرحلة، يجري التصويت النهائي في كل من المجلسين على النسخة الموحّدة قبل أن تُرسل إلى الرئيس الأمريكي، الذي يملك صلاحية التوقيع أو استخدام حق النقض (الفيتو). وإذا لجأ الرئيس إلى الفيتو، فلا بدّ من تصويت ثلثي الأعضاء في المجلسين لتجاوزه. أمّا في حال اعتماد النصّ وتوقيعه، تبدأ الجهات التنفيذية مثل وزارة الخزانة ووزارة الخارجية بإصدار القرارات والتعليمات اللازمة لتعديل أو إلغاء العقوبات التي فُرضت بموجب قانون قيصر، وهو مسار قد يتطلب وقتاً وإجراءات قانونية إضافية. وبالتوازي مع ذلك، ستخضع عملية التنفيذ لمتابعة دقيقة من منظماتٍ دولية وحقوقية للتأكد من أنّ رفع العقوبات يتحقق عمليًّا وليس فقط نظريًّا، خاصة أنّ هناك أطرافاً قد تدفع نحو تقييد التنفيذ أو ربطه بشروط سياسية جديدة.

الآثار الإنسانية لقانون قيصر على السوريين

رغم أنّ القانون صيغ للضغط على النظام السوري، إلا أنّ الشعب هو الذي دفع الثمن الأكبر. فقد شلّ قدرة البلاد على إعادة الإعمار، إذ أحجم المستثمرون والشركات عن الدخول في مشاريع ترميم وبناء خوفاً من الملاحقة القانونية والعقوبات الثانوية، ما ترك آلاف الأبنية المدمرة والمرافق الحيوية بلا إصلاح. كما انعكس بشكلٍ مباشر على حياة السوريين عبر ارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكلٍ غير مسبوق، خصوصاً الغذاء والدواء والوقود، نتيجة العزلة الاقتصادية وصعوبة الاستيراد، ممّا فاقم معاناتهم اليومية. ولم تسلم الليرة السورية من التأثير، حيث تدهورت قيمتها بشكلٍ متسارع ولم يعد هناك استقرار في اسعار الصرف بسبب القيود المالية على البنوك والتحويلات، ما زاد معدلات الفقر وعمّق الأزمة المعيشية. وحتى المساعدات الإنسانية التي نصّ القانون على استثنائها واجهت عراقيل كبيرة بسبب الإجراءات البيروقراطية وتعقيدات الحصول على تراخيص، ما جعل وصول الدواء والمعدات الطبية أبطأ وأكثر صعوبة. ووسط هذه الأزمات، شعر السوريون بالعزلة وكأنّهم ضحايا عقاب جماعي، إذ عجز القانون عن تحقيق هدفه المعلن في محاسبة النظام، بينما نجح في جعل الحياة أصعب على الناس.

جهود الجالية السورية في الولايات المتحدة

لم يكن إدراج مادة إلغاء قانون قيصر في ميزانية الدفاع ليتم لولا جهود الجالية السورية في الولايات المتحدة، التي عملت على إيصال صوت معاناة الشعب إلى أروقة الكونغرس. فقد أعلن الناشط محمد علاء غانم، عضو المجلس السوري الأمريكي، أنّ هذا الإنجاز جاء بعد معركةٍ طويلة لإقناع المشرعين الأمريكيين، موضحاً أنّ الفريق السوري نجح في تعديل البنود التي حاول بعض النواب ربطها بشروط صارمة، لتصبح مجرّد أهدافٍ غير ملزمة، ما أفشل محاولات إبقاء سيف العقوبات مسلطاً على رقاب المستثمرين الراغبين في دعم الاقتصاد السوري. المجلس السوري الأميركي أدى دوراً محوريًّا في بناء تحالفات مع أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مركّزاً على البعد الإنساني لمعاناة السوريين، بينما أبدى عدد من المشرعين، مثل النائبة براميلا جايابال وآخرين، دعماً صريحاً لمشاريع قوانين ثنائية لإلغاء العقوبات، ما أضاف زخماً سياسيًّا لهذه الجهود. وهكذا باتت أصوات السوريين في المهجر قوة ضاغطة تُساهم بشكلٍ ملموس في تغيير السياسات الأمريكية تجاه بلادهم.

ردود الفعل الدولية والإقليمية

من المتوقع أن يثير قرار إلغاء قانون قيصر نقاشاً واسعاً على الساحة الدولية، إذ قد ترحّب به دول كانت تدعو منذ سنواتٍ إلى رفع العقوبات باعتبارها عقبة أمام عودة الاستقرار في سوريا، مثل بعض الدول العربية التي بدأت بالفعل خطوات فعلية لإعادة العلاقات التجارية والاقتصادية مع دمشق. في المقابل، قد تواجه الخطوة اعتراضاً من أطراف أوروبية ومنظمات حقوقية ترى أن رفع العقوبات من دون مسار سياسي واضح قد يُنظر إليه كمنح النظام السوري الجديد شرعية غير مستحقة. أمّا على الصعيد الإقليمي، فمن المرجّح أن تنشط بعض الدول المجاورة مثل لبنان والأردن في استعادة الروابط الاقتصادية مع سوريا، خصوصاً في مجالات التجارة والطاقة، وهو ما قد يساهم في تخفيف الأعباء عن شعوب هذه الدول أيضاً. هذه التباينات في المواقف ستجعل من متابعة ما بعد الإلغاء ملفاً دولياً بامتياز، لا يقتصر على واشنطن وحدها بل يمتد إلى عواصم المنطقة والعالم.

ختاما

التصويت في مجلس الشيوخ على إلغاء قانون قيصر هو خطوة تاريخية تفتح نافذة أمل أمام ملايين السوريين الذين أثقلتهم العقوبات أكثر ممّا حمتهم. ومع أنّ المسار التشريعي ما زال يتطلب موافقة مجلس النواب وتوقيع الرئيس، إلا أنّ هذا التطور يشير إلى بداية مرحلة جديدة قد تعيد لسوريا قدرتها على الانفتاح الاقتصادي وإطلاق مشاريع الإعمار. وإذا وصلت هذه الجهود إلى خط النهاية، فستكون بمثابة انتصار للإنسان السوري أولاً، ولمناضلي الجالية الذين أثبتوا أنّ صوتهم يمكن أن يُحدث فرقاً في قراراتٍ كبرى تمسّ مستقبل وطنهم.

شارك

مقالات ذات صلة