مشاركات سوريا
– مروة المنصور
على مرّ سنوات الثورة السوريّة كان الظلام شريكنا في بيوتنا، في صيفنا وشتائنا، في أفراحنا، وفي أحزاننا، بمعنى مجازيّ ومعنى واقعيّ، فمنذ انطلاقة الثورة كان أوّل عقاب للشّعب الذي طالب بالحريّة هو قطع تيار الكهرباء عن البيوت والشوارع والمؤسسات الحكوميّة وأيضاً عن الساحات العامّة، وكلّ شبر في سوريا، كان القطع تدريجياً، من ساعة إلى ساعتين، ثمّ إلى ثلاث، ووصلنا إلى أيام القطع والعيش دون ضوء وكهرباء لليالٍ وربما لشهور، ثمّ غابت كلياً عن أماكن الحصار والمقاومة.
خسرت النساء أطفالاً، وخسرت البيوت السوريّة رجالاً ونساءً كبيرين في السنّ من حوادث الكهرباء وبدائلها، فلا صيفَ مرّ بطعم الصيف، وما كان الشتاء إلّا زمهريراً ينخر عظامنا، ومَن يتنذر شؤماً لقدوم أحد الفصلين هم السوريون، لأنّهم يدركون معنى غياب الكهرباء وباقي مقومات الحياة.
أذكر سنة 2012 بدايات قطع الكهرباء ومجيئنا من الدروس الخصوصيّة في بلدتنا الصغيرة ولم يكن البديل عن الضوء إلا ضوء “قدّاحة الغاز”، نلفُّ أيدينا مع بعضها كلّنا نحن البنات، ثمّ نبدأ بالمشي وفق مسار البيت الأقرب فالأقرب، ومَن تبقى في النهاية حتماً سينتظرها أبوها أو أحدٌ من عائلتها؛ لأنّ الطرقات أقلّ ما يقال عنها إنها موحشة، وسط صمت البلدة الصغيرة.
ومضت الأيّام هكذا، حتى السنة الثالثة عندما أحضرتُ ضوء الليد الصغير على شكل مربّع صغير أمسكته بيدي أضيء به محاضراتي منتصفَ الليل، بعد أن مدّت أختي شريطه من اللدة الأساسيّة لأنّ الضوء لم يعد يحتمل الانتشار أكثر إلى كامل الغرفة.
بكيتُ ليلتها، من ذلك الظلام الذي أرهقني مع ضغط الامتحانات الجامعيّة ليلة تقديم المادّة، ومن برد الليلة الذي لا يسعك إلّا أن تلتفّ بحرامك دون أن تتجاوزه شبراً واحداً فيلسعك البرد.
ثمّ مع انطلاقة شعلة التحرير، نظرتُ من حولي أحملُ آمال الطفولة، وأحملُ هماً لن يعرفه في العالم كلّه إلّا نحن السوريون، فسقوط بشّار يعني لا عقاب بعد اليوم بكلّ هذه العتمة، وأخيراً بعد 14 سنة كاملة من العمر ستشعل المدن أضواءها، ستنار الشّوارع، وسنذكر طعم الصيف، ولذّة مدافئ الشتاء وصوت المطر يضرب على أسقف البيوت وجدرانها.
لكن نفاجأ بعد وعود عارمة، وانقضاء 8 شهور على تحرير سوريا، وإتيان القافلات بما يدعم نهوض منظومة الكهرباء ودعم المحطات، وأنّنا ما زلنا في هذا الصيف النوعيّ نذوب تحت الحرارة، وتحرقنا الشمس، ولم نرَ الكهرباء حتى على الأقلّ لنشربَ كأس ماءٍ مثلّج..
نفتح الإنستغرام فنراها عامرة بالأضواء، وتطفح بهدوء البلاد التي فقدناها وكلّ يوم، كل يومّ نحلم أن نراها البلاد التي نحبّ.. فهل ستظلّ الوعود على قائمة الإنستغرام؟
وإن كنّا نشكو انقطاع الكهرباء، فليس لعدم ثقتنا بدولة نراها تعمل على مدار السّاعة، لكن نحضُّ المسؤولين الذين وعدونا، وصادقنا على وعودهم فلم نرها كما قالوا وكما روّجوا..
البلاد بحاجة إلى العمل الكثير؟ نعم
هناك ما هو غير الكهرباء؟ نعم، وكثيراً
تعملون على ذلك؟ نعم، ونرى بأمِّ أعيننا
لكنّ المطلب رئيسٌ، وإن انقضى الصيف فلا نتأهّب نفسياً لأن نعيش بذاكرة ما قبل السقوط، ونريدها مضاءة بالكامل، كلّ بيوت السوريين، كلّ نوافذهم، كلّ ساحاتهم، وفي كلّ مناسباتهم.
ويحقُّ لنا أن يصل صوتنا للقائمين على أمرنا، باعتبارهم الراعي وباعتبارنا الرعيّة، كما يجب أن نثقَ فعلاً؛ لأنّ الإنستغرام لا يُسمن ولا يُغني من جوع، فنحن هنا في البلاد نعي الواقع بكلّ تفاصيله، وبكلّ أجزاء يومه وساعاته، ولا يعنينا ما إن كانت الأماكن المضاءة مخصصة لشريحة من الشّعب، فنحن الشّعب كلّه، ونحن مَن عانى الأمرّين، أليس من حقّنا أن نعيشَ على الأقلّ تحت الضوء، وبضوء.
الكهرباء تدفع بالاقتصاد إلى الأمام سريعاً، وتمنح البيوت استيعاب حاجياتها، وكلّ ذلك يحسّن المجتمع، ويبني الدولة، ونأمل أن تستبدل سنوات حياتنا المظلمة بالنور من كلّ حدبٍ وصوب.

