سياسة

جنوب السودان على فوهة بركان: حرب الداخل وارتداداتها على الجوار

مارس 27, 2025

جنوب السودان على فوهة بركان: حرب الداخل وارتداداتها على الجوار

جنوب السودان على حافة الانفجار، وطبول الحرب تُقرع من جديد. فبعد استيلاء ميليشيات النوير الموالية لرياك مشار على قاعدة ناصر الأسابيع الماضية، دخلت البلاد طورًا جديدًا من التوتر يُهدد ما تبقى من اتفاق 2018. الصراع القديم بين مشار وسلفا كير عاد للواجهة، تغذّيه أزمة اقتصادية خانقة، وتحوّلات إقليمية تعيد رسم خارطة الولاءات. فالدولة التي وُلدت من رحم الانفصال عام 2011، تقف اليوم على شفا حرب أهلية جديدة، حيث تتقاطع الانقسامات الإثنية بالتجاذبات السياسية، ويضغط انهيار السودان شمالًا على هشاشة الجنوب، في مشهد معقّد لا تملك جوبا وحدها مفاتيحه.


لإدراك الصورة العامة، يجب أن ندرك أنه لطالما كان التنافس بين قبيلتي الدينكا والنوير هو الوقود الأساسي للصراعات السياسية في جنوب السودان، حيث يتزعم الرئيس سلفا كير (دينكا) الدولة، بينما يقود نائبه السابق رياك مشار (نوير) جبهة المعارضة المسلحة. ومع اندلاع أعمال العنف الأخيرة، خاصة بعد استيلاء ميليشيات النوير المتحالفة مع مشار على قاعدة عسكرية في بلدة ناصر، عادت المخاوف من انهيار اتفاق السلام الهش لعام 2018.

لكن الصراع لم يعد محصورًا بين الدينكا والنوير فقط، بل امتد ليشمل اشتباكات بين قبائل المورلي واللو نوير في ولاية جونقلي، والدينكا نقوك والتويك في أبيي، والبالاندا والأزاندي في غرب الاستوائية، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني. هذه الصراعات غالبًا ما تكون مدفوعة بالنزاع على الأراضي، وحقوق الرعي، وعمليات الخطف، وهي تغذيها الأطراف السياسية المتنافسة التي تستغل الانقسامات الإثنية لتعزيز نفوذها.


حكومة الوحدة تُصارع داخلها… وتُحاصر من خارجها

ليست حكومة الوحدة الوطنية في جنوب السودان سوى هيكل سياسي هشّ يتداعى أمام عواصف التجاذبات والصراعات الخفية. فقد شُكّلت هذه الحكومة وفق اتفاق سلام عام 2018، الذي جاء بعد سنوات من الحرب الأهلية والدم، لكنه لم يفلح سوى في تأجيل المواجهة إلى حين. واليوم، تبدو مقدمات الانهيار أقرب من أي وقت مضى، مع تزايد التصدّعات بين الرئيس سلفا كير وخصومه، وخصوصًا نائبه السابق رياك مشار.

الشرارة التي كشفت عمق الاحتقان، كانت اعتقال وزير النفط بوت كانغ شول، أحد أبرز رجال مشار، والذي مثّل صفعة قاسية لتيار النوير داخل السلطة. فُسّر القرار في معقله السياسي كاستفزاز متعمّد، ودفع بكثيرين إلى الحديث عن قرب المواجهة، ليس في البرلمان ولا على طاولة التفاوض، بل على خطوط النار، وفي ساحة الميدان.

إلا أن الداخل الملتهب لم يكن وحده الذي يهدد حكومة الوحدة الوطنية، فالإقليم هو الآخر يفرض ثقله على المعادلة. الرئيس سلفا كير، الذي كان حتى وقتٍ قريب حليفًا مترددًا للخرطوم، بات يقترب بشكل لافت من الجنرال حميدتي وقوات الدعم السريع السودانية، في تقارب قُرأَ  كرهان سياسي على من تراه جوبا الأقرب لتحقيق مصالحها في الخرطوم. هذا التوجّه لم يمرّ دون ردّ، فالفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي السوداني، أعاد تنشيط قنواته القديمة مع ميليشيات النوير، التي لطالما ارتبطت تاريخيًا برياك مشار.

النتيجة؟ شبكة معقّدة من التحالفات المتقابلة، اختلط فيها المحلي بالإقليمي، والخصومة الداخلية بالمنافسة العابرة للحدود. وهذا التغيير في الاصطفافات السياسية زاد من تعقيد الأوضاع، ويهدد بتحويل جنوب السودان إلى ساحة صراع بالوكالة بين الأطراف المتحاربة في السودان كذلك.

عطفًا على ما سبق، يعتمد جنوب السودان اعتمادًا شبه كلي على عائدات النفط لتمويل خزينتها، ولا تملك رفاهية التنوّع الاقتصادي أو بدائل فاعلة تُعينها في الأزمات. ويُنقل هذا النفط عبر أراضي السودان إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر. ومع اشتداد الحرب في السودان، تعطّلت خطوط الأنابيب، إمّا بالقصف، أو بالإهمال أو بالابتزاز السياسي، فانقطعت الأموال عن جوبا. ولم يعد بمقدور الحكومة دفع رواتب موظفيها، فتفجّرت موجات الغضب الشعبي، وصار الخوف من الانفجار الداخلي بحجم الخوف من انهيار الحدود، في مشهد يُجسد هشاشة اقتصاد جنوب السودان لارتهانه بالجغرافيا والجيران المتنازعين.

إضافيًا، استخدمت حكومة عبد الفتاح البرهان، من السودان—بكل دهاء واقعي—ورقة النفط كورقة ضغط سياسية واقتصادية في آنٍ معًا، ملوّحًا بها حينًا، وقابضًا عليها حينًا آخر، ليرسم بها حدود المناورة مع حكومة سلفاكير الذي يدعم حميدتي. فبينما يعرف البرهان أنّ استمرار تدفّق النفط مصلحة مشتركة، إلا أنّه يدرك أيضًا أنّ جوبا لا تملك البدائل الفورية، وأن الحديث عن أنابيب بديلة عبر كينيا أو إثيوبيا لا يزال أقرب إلى الوهم اللوجستي منه إلى مشروعٍ قابل للتنفيذ في ظل هذا التوقيت المضطرب. وهكذا، تحول أنبوب النفط إلى أداة ابتزاز ناعم، وسلاح اقتصادي يشهره السودان متى شاء، في رقعة يتقاطع فيها الاقتصاد بالجيوسياسة، والبقاء بالمساومة.


انعكاسات الأزمة في جنوب السودان على الجوار

ترتيبًا على جميع ما سبق، ثمّة من يتعامل مع الحرب المحتملة في جنوب السودان بنزقٍ سياسي مقيت، يُروّج لفكرة أنّ جوبا تستحقّ أن تتذوّق من ذات الكأس الذي صبّته في الخرطوم، حين وقفت إلى جانب ميليشيا حميدتي. لكن هذا النَّفَس الشامت، وإن لقي رواجًا في بعض الدوائر الإعلامية، لا يرقى إلى مستوى التحليل الجاد، ولا يُدرك طبيعة التداخل الإقليمي العميق في الأزمة، حيث لا تنفصل حدود الدم عن حدود الخرائط.

ففي حال انزلاق جنوب السودان إلى حربٍ أهلية شاملة، فإن الحريق لن يتوقف عند تخوم الاستوائية العليا أو أعالي النيل. ستنفتح بوابات النزوح باتجاه السودان شمالًا، في لحظة تعجز فيها الخرطوم أصلًا عن احتواء أزماتها المتراكبة. وسيندفع اللاجئون جنوبًا نحو أوغندا، وشرقًا نحو إثيوبيا وكينيا، لتتسع رقعة الأزمة الإنسانية، وسيزداد الضغط على الدول التي لم تلتقط أنفاسها بعد من تداعيات الحروب كإثيوبيا مثلاً.

فالحقيقة؛ أنّ ما يحدث في جنوب السودان – إن تحوّلت إلى حربٍ شاملة- لن يبقى محصورًا داخله. وما يرشّحه بعض المثقفين السودانيين مؤخرًا، بأنّ على الخرطوم أن تستغل هذا الانهيار الأمني في جنوب السودان لدعم جماعات مسلحة مناوئة لجوبا، في تكرار لسيناريو “حرب الحدود”، فكرة غير صائبة، وقد يعيد إشعال نزاعات حدودية، خصوصًا في منطقة أبيي الغنية بالنفط، والتي لا يزال وضعها النهائي غير محسوم. فأي انهيار للحكومة هناك سيعيد إشعال جذوة النزاع الذي لا يخبو، إن لم يكن بالسلاح، فبالسجال.

وفي تطورٍ آخر ذي صلة، دخلت أوغندا مجددًا على خط الأزمة، وأرسلت قوات عسكرية إلى جوبا بناء على طلب رسمي من الرئيس سلفا كير. ولمن يعرف خلفيات العلاقة بين البلدين، فإن هذا التدخل ليس غريبًا. فالعلاقة بين كمبالا وجوبا متجذرة، تعود إلى عام 2013 حين أرسلت أوغندا جنودها دعمًا لسلفا كير في مواجهة رياك مشار. ومنذ ذلك الحين، ظلت أوغندا حليفًا أمنيًا واقتصاديًا لا غنى عنه لجنوب السودان، ليس فقط لحسابات الجغرافيا، بل لكون جوبا سوقًا مهمًا للمنتجات الأوغندية، وممرًا لتوسيع النفوذ الإقليمي. وهذا التطور فسّر من قبل الخرطوم أنه ضد المصالح السودانية وتهديدًا لأمنها الإقليمي.


سيناريوهات: في ظل هذا المشهد الضبابي، يبدو مستقبل جنوب السودان مرهونًا بثلاثة سيناريوهات لا تخرج جميعها عن منطق التأرجح بين الانفجار أو التجميد المؤقت للأزمة.

السيناريو الأول، وهو الأكثر خطورة، يتمثل في انزلاق البلاد إلى حرب أهلية شاملة، إذا ما فشل الرئيس سلفا كير وخصمه التاريخي رياك مشار في التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية. حينها، لن يكون اتفاق 2018 سوى صفحة من الماضي، وستعود البنادق لتحكم الواقع، وسط صراع دموي قد يفوق في قسوته ما شهدته البلاد بين عامي 2013 و2016، حين تحوّلت الانقسامات الإثنية والسياسية إلى مذابح مفتوحة. وربما هذا ما يفسر أن العديد من الدول الأوربية طلبت يوم أمس من رعاياها مغادرة جوبا وبأسرع وقت ممكن.

السيناريو الثاني، أكثر تفاؤلًا، يُراهن على دور إقليمي بقيادة الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) أو الاتحاد الإفريقي، لإعادة ضبط مسار التسوية، واستئناف مسارات مثل محادثات “توميني” التي أطلقتها كينيا، بهدف إشراك القوى السياسية والجماعات المسلحة غير الموقّعة على اتفاق السلام. لكن هذا السيناريو يصطدم دومًا بعقبة الإرادة السياسية الفاترة، والمصالح المتضاربة للدول المحيطة.

أما السيناريو الثالث، فيتحدث عن “تهدئة معلّقة” أو تفاهم سياسي هش، تفرضه الضغوط الدولية والمساعدات المشروطة، لكنه يبقي البلاد على شفا الانفجار. لأن ما لم يُحلّ من جذوره، سيظل يُطلّ برأسه من جديد، والحقائق تقول إنّ الانقسامات الإثنية، والاحتقان الشعبي، والانهيار الاقتصادي، لم تزل في مكانها، تُؤجّج تحت الرماد، تنتظر الشرارة.


باختصار، يسير جنوب السودان على حافة النصل، وأي انحرافٍ عن التوازن، قد يُغرقه مجددًا في مستنقع لا نجاة منه. ما يحتاجه هو تحرّك إقليمي عاجل يرفع منسوب العقلانية، ويضع حدًّا للانزلاق، ويُفشل رهانات الفوضى.

شارك

مقالات ذات صلة