تأملات
لطالما كانت سيرة الاستضعاف والمستضعفين مقترنةً بالضعف، وعائدةً إلى الأصل اللغوي لها، وكأن على المقهور أن يظل مقهورا حتى تصح سرديته، وعلى المظلوم أن يرضخ تحت ظلمه حتى تستمر مظلوميته، ثم تتحول حالة الاستضعاف إلى استرزاق به، واستغلال له، إلى حد الإيمان بقوة المستضعِف أكثر من الإيمان بالقويّ جل وعلا، ويكأن على المؤمنين أن يعطوا الدنيَّة بعدما رفضوا أن يعطوها، فيُظلمون لأنهم يرفضون الباطل، ثم يستمرون في رفض الباطل حتى تغريهم الحالة، وحينها يعطون الدنيّة من كرامتهم وعزمهم، ولو كان أمامهم أن يدفعوا عدوَّهم فإنهم يركنون إلى المداهنة ويجنحون إلى السلم رغم أن المعتدي ما زال يقاتلهم، وذلك ليس في عموم الزمان والمكان، وإنما كذلك في حالات ليست قليلة من تاريخ الحقَب المتدهورة في مسار الأمة، مستمرةً حتى وقت قريب في أصقاعٍ شتى.
يورث اللهُ المستضعفين الأرض، ويبوأهم منازلهم، ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا، لكنهم يحسبون الكثير من الحسابات في ذلك الحين، ويهملون شخصيتهم، ويتماهون في تمويهها، ويتنازلون عن كثير مقابل النذر اليسير، ويخدَعون من كل عابر، ويهزأ بهم كل صاغر، ويسلمونه عن ضعة يد وتضييع عهد ما أورثهم الله إياه، ثم حين يُهزمون ويمكر بهم الماكرون، لا يلجؤون إلى قوتهم، ولا يعتزون بما ملكوا، وإنما يهرولون نحن دكاكين حقوق الإنسان في أميركا، يصلّون العصر في الكونغرس، ثم يتسولون “الدعم الدولي” لدى كل من هَب ودب، وينفقون ما ينفقون على العلاقات العامة من أجل نائب يقول كلمة تذكرهم في جلسة هامشية لا يعبأ بها أحد، ولا حتى نوابها، ثم يعودون كأنما غنموا الدنيا، يهللون ويكبرون للتقارير الأجنبية، التي ترميهم في أقرب سلة نفايات عند أقرب تغيير سياسات، فهم لا يرونك إلا عالةً شرقيةً، تحتاج أن تمتص منها ما تريد من المصالح، ثم تلقيها على قارعة الطريق، وليذهب أصحاب الحق إلى الجحيم، في أي مكان كان، سواءٌ أعدموا في السجون، أو فنت بها أعمارهم، فهل تكون فواجعهم أكبر من فواجع غزة مثلًا؟ وهل يكونون أقرب منطقا إلى التعاطف ممن يلقون بالقنابل الخارقة؟ لا، ومع ذلك لم يتعاطف أحد، ولم تأتِ لهم الأمم المتحدة بحقوقهم.
لتأتي غزة، وتعلم الجميع الدرس، محبيها قبل كارهيها، وإخوتها قبل أعدائها، إن الحق طريقه واحد، وهي القوة لا غير، سواءً كانت قوة السلاح، أو قوة السياسة، أو قوة التفاوض، أو قوة الإعلام، أو قوة الخطاب، أو قوة الحاضنة، أو قوة الإجبار والأمر الواقع، أو جميعهم أو بعضهم معا، بحسب ما تقتضي كل دولة وظروفها، أما الخضوع للعدو، والتجاوب مع ابتزازه، فإنه يجعله يقفز بعد الخطوة عشرا، وبعد العشر ألفًا، وحينها لا تستطيع إيقافه عند أي حد، وتبقى تكلفة الرجوع أو محاولة إعادة الوضع لما كان عليه من قبل أكثر بكثير مما كانت عليه التكلفة الأولى للمقاومة، ومناصبته العداء بنديّة لا هوادة فيها، وقد رأينا ذلك جليًّا في معركة الطوفان، من لحظتها الأولى، وكيف أن الذين دفعوا من البداية غنموا، مع كامل الاعتبار لدمائهم الزكية التي دفعوها مهرًا لذلك الثمن، وكيف أن الذي “قسّطوا” الدفع وحاولوا التقطيع فقدوا أغلى ما ملكوا، وخسروا أي مكتسبات.
وماذا عن فقه الواقع؟ يقول الواقع المدمر في غزة إن على المقاومة تقبيل يديها ظاهرهما وباطنهما، أن خرجت بصفقة كهذه، ولا بأس أن تماطل “إسرائيل” ولا أن تراوغ فيما بين السطور، ولا داعي لأن تصعّد المقاومة ضد عدو مجرم وداعم مجنون له، بحجم ترمب، وبحجم رأسه وتفكيره، مقابل شاحنات وكرفانات وخيام، ماذا لو عاندوا؟ وهنا ترد المقاومة: بل نفعل، ويخضعون، وبالفعل خضعوا في النهاية رغم الجعجعة، وذلك أن العدوّ يصغر أمام من يستكبر عليه، ويصير نعلًا تحت قدميه، أما من يرضخ له ولو مرة، ويحني له عنقه ولو لثانيةٍ، فإنه لن يتوانى عن جز رقبته من أصلها من البداية، ومهما حاول رفع هامته فلن تُرفع أبدًا، وقد سقطت الرأس إلى الأبد بين قدميه.
إن الدرس الأهم والأثمن والأغلى في تاريخ المعركة العظمي لهذا الزمان هو “مبدأ القوة”، وكيف تكون عينك حمراء قوية، ويدك طائلة ضاربة، وكلمتك حاسمة ملزمة، ولسانك سيفا قاطعا، وسمعك كيّسا متزنا، وعزمك صلبا حديدا، وقلبك جريئا مغوارا، وعقلك سباقا مدرارا، ورأيك دقيقا بتارا، وجندك حازمين بواسل، يد الله فوق يدك، ويدك بين يدي الله، تستوي لديك الحياة في عز مع الموت واقفا، وتجتمع لديك الشجاعة مع الرأي، ويترادف لديك العزم مع الإقدام، وإلا.. فلا.