مشاركات سوريا

مُرمّمة ومهجورة.. كيف تعيق الملكيات الغائبة ترميم الأبنية في حلب؟

أكتوبر 25, 2026

مُرمّمة ومهجورة.. كيف تعيق الملكيات الغائبة ترميم الأبنية في حلب؟

الكاتب: عابد كربوج


تتواصل حركة الإعمار وإعادة البناء في العديد من أحياء مدينة حلب، لكن التحديات لا تتعلق بكلفة البناء وحدها؛ إذ يبرز غياب بعض مالكي الشقق السكنية، وتعذّر التواصل معهم، وصعوبة الاتفاق على إصلاح الأجزاء المشتركة، بوصفها عقبات إضافية أمام إعادة تأهيل الأبنية المتضررة.


وفي الوقت الذي يتمكن فيه بعض السكان من ترميم منازلهم والعودة إليها، تبقى شقق أخرى مهجورة أو متضررة، إما بسبب سفر أصحابها أو عدم قدرتهم على تحمّل تكاليف الإصلاح.


ولا تقف المشكلة عند حدود الشقق المغلقة، بل قد تمتد إلى سلامة البناء بأكمله، عندما تحتاج المداخل والدرج والأسطح والعناصر الإنشائية إلى أعمال ترميم مشتركة، ما يطرح أسئلة حول مسؤوليات المالكين والإجراءات المتاحة في حال غياب بعضهم.



ترميم الشقة لا يضمن سلامة البناء

قد يتمكن أحد السكان من إصلاح الأضرار داخل شقته، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن البناء أصبح آمنًا بالكامل؛ فالدرج والأسطح والمداخل والجدران الرئيسية أجزاء قد تحتاج إلى أعمال مشتركة.


ويقول المهندس المعماري أحمد الناصر: “إن التعامل مع الأبنية المتضررة يحتاج إلى النظر إلى البناء بوصفه وحدة متكاملة، لا مجموعة شقق منفصلة”، موضحًا أن ترميم شقة واحدة لا يعالج بالضرورة المشكلات الموجودة في بقية الأجزاء.


ويضيف: “الأعمال المعمارية لا تقتصر على إصلاح الجدران والدهانات والتشطيبات الداخلية، بل تشمل دراسة حالة المداخل والدرج والمساحات المشتركة، ومدى تأثير الأضرار فيها على استخدام السكان للبناء”.


ويرى الناصر أن ترتيب أعمال الترميم ينبغي أن يبدأ بتقييم حالة البناء وتحديد الأجزاء التي تحتاج إلى إصلاح، قبل الاكتفاء بمعالجة الأضرار داخل شقة محددة.


فقد يتمكن أحد السكان من إعادة تأهيل منزله، بينما تبقى أجزاء أخرى متضررة تعيق الاستخدام الطبيعي للبناء، ما يجعل التنسيق بين المالكين أمرًا أساسيًا لإنجاز أعمال الترميم بصورة متكاملة.



الضرر الظاهر لا يكشف كل شيء

من جانبه، يوضح المهندس المدني محمد الناصر أن الأضرار التي تصيب الأبنية تختلف في طبيعتها وخطورتها؛ فبعضها يرتبط بعناصر غير حاملة، فيما قد يشير بعضها الآخر إلى أضرار إنشائية تستدعي فحصًا متخصصًا قبل اتخاذ قرار الإصلاح.


ويقول: “إن تقييم حالة البناء يجب أن يسبق أعمال الترميم، لأن طريقة المعالجة تختلف بحسب طبيعة الضرر ومكانه ومدى تأثيره في العناصر الإنشائية”، معتبرًا أن معالجة التشققات الظاهرة أو إعادة طلاء الجدران لا تكفي إذا كان الضرر يمس عنصرًا حاملًا أو جزءًا يؤثر في استقرار البناء.


ويشير إلى أهمية تحديد الأعمال المطلوبة وترتيب أولوياتها، وعدم البدء بترميم الشقق بصورة منفصلة قبل معرفة حالة البناء ككل.


فالتقييم الفني يساعد على التمييز بين الأضرار التي يمكن إصلاحها ضمن شقة واحدة، وتلك التي تتطلب تدخلًا أوسع يشمل أجزاء مشتركة أو أكثر من وحدة سكنية.


وتزداد أهمية هذا التقييم عندما تكون بعض الشقق مغلقة أو يكون أصحابها غائبين، إذ لا ينبغي أن يؤدي غياب المالك إلى تجاهل ضرر قد يؤثر في سلامة بقية السكان. وفي المقابل، لا يمكن الحكم على خطورة البناء من مظهره الخارجي وحده، بل يحتاج الأمر إلى معاينة مختصين.



جيران غائبون وترميم مؤجل

تظهر هذه المشكلة في شهادة سامر فقش، أحد سكان حي مساكن هنانو في حلب، إذ يحتاج البناء الذي يسكنه إلى أعمال ترميم، ولا سيما في منطقة الدرج والشقق الواقعة في الطوابق السفلية.


لكن سفر عدد من الجيران وغيابهم يجعل معالجة الأضرار أكثر صعوبة، بسبب تعذّر التواصل معهم والاتفاق على أعمال الإصلاح وتوزيع تكاليفها.


وتوضح هذه الحالة أن المشكلة لا تتعلق دائمًا بقدرة أحد السكان على إصلاح شقته، بل قد تمتد إلى أجزاء مشتركة يحتاج ترميمها إلى تعاون أصحاب الشقق.

فحتى عندما يكون أحد السكان مستعدًا للترميم، قد يجد نفسه أمام أضرار لا يستطيع معالجتها بمفرده، أو تكاليف تتجاوز حدود ملكيته الخاصة.


كما أن استمرار إغلاق بعض الشقق أو بقاء الأضرار من دون معالجة قد يطيل انتظار السكان الراغبين في تحسين أوضاعهم السكنية. فإعادة تأهيل البناء لا ترتبط بقرار فردي فقط، بل تحتاج في حالات كثيرة إلى تنسيق بين المالكين، وتحديد واضح للأعمال المطلوبة والجهة التي ستتحمل تكاليفها.



ماذا يقول القانون عن الأجزاء المشتركة؟

لا تقتصر المسألة على الجانب الفني، بل ترتبط أيضًا بالمسؤوليات القانونية بين مالكي الشقق.

وينظم القانون المدني السوري أحكام الأجزاء المشتركة في الأبنية؛ إذ تتناول المادة 811 أجزاء تشمل، وفق أحكامها، الأرض والأساسات والجدران الرئيسية والمداخل والدرج والأسطح وغيرها من الأجزاء المخصصة للاستخدام المشترك، ما لم يوجد ما يخالف ذلك في سند الملكية أو النظام القانوني للعقار.


وتنص المادة 813 على مساهمة المالكين في نفقات حفظ الأجزاء المشتركة وصيانتها وإدارتها وفق الحصص المحددة قانونًا، مع مراعاة الأحكام والاتفاقات التي قد تنطبق على العقار.


لكن غياب أحد المالكين لا يحسم وحده كيفية تنفيذ الإصلاحات، ولا يعني تلقائيًا انتقال مسؤوليته إلى بقية الجيران.

فالتعامل مع كل حالة يتطلب معرفة وضع الملكية، وطبيعة الأضرار، وما إذا كانت الأعمال المطلوبة تخص شقة خاصة أم جزءًا مشتركًا، فضلًا عن الإجراءات القانونية المتاحة عندما يتعذر التواصل مع أحد المالكين أو الاتفاق على تكاليف الصيانة.



بين سلامة البناء وحقوق المالكين

إعادة تأهيل الأبنية المتضررة لا تعني إصلاح الجدران داخل الشقق فحسب، بل تتطلب معالجة الأضرار المشتركة والتأكد من سلامة البناء، إلى جانب إيجاد حلول للعقبات المرتبطة بالملكية وغياب أصحابها وتكاليف الترميم.


وبالنسبة إلى السكان، تبقى أسئلة أساسية معلقة: كيف يمكن المضي في إصلاح الأجزاء المشتركة عندما يكون بعض المالكين خارج البلاد؟ وما الإجراءات المتاحة عندما يتعذر الوصول إليهم؟ وكيف يمكن ضمان تنفيذ أعمال الترميم بطريقة فنية سليمة، من دون أن تتحول المبادرات الفردية إلى إصلاح جزئي لا يعالج جميع الأضرار؟

في حلب، قد لا تتوقف عودة السكان إلى منازلهم على قدرتهم على ترميم شققهم فقط، بل أيضًا على إصلاح درج أو سطح أو جزء مشترك، وعلى معالجة تعقيدات الملكية وغياب أصحابها.


لذلك، يحتاج تأهيل هذه الأبنية إلى تقييم فني واضح، وتوجيه قانوني يساعد السكان على معرفة حقوقهم ومسؤولياتهم، حتى لا تبقى الملكيات الغائبة عقبة إضافية أمام إصلاح الأبنية وعودة الحياة إليها.

شارك

مقالات ذات صلة