فنون
لم يكن الأدب في نظر الكاتب الروائي “إي إم فروستر” مجرَّد وسيلةٍ لسرد القصص، بل نافذة يطلُّ منها على المجتمع البريطاني الذي أنهكته التقاليد وكبَّلته الفوارق الطبقية وحوَّلت فيه الأعراف الاجتماعية والحب والحرية الفردية إلى امتيازاتٍ تخضع لحسابات المكانة والثروة، وفي رواياته كان “إي إم فورستر” بارعًا في تعرية التناقض بين المظاهر الأرستقراطية والمشاعر المكبوتة، ومنحازًا إلى صدق العاطفة في مواجهة التصنُّع الاجتماعي، وإلى حرية الإنسان في اختيار مصيره بعيدًا عن الأحكام الموروثة.
وتتجلى هذه الرؤية بأبهى صورها في روايته “غرفة ذات إطلالة”، التي أصدرها في عام 1908، وحقَّقت شهرةً واسعة، حتى تحوَّلت إلى فيلمٍ سينمائي عظيم في عام 1985 للمخرج “جيمس آيفوري، وقد تولَّت رفيقة دربه الفنية الكاتبة “روث براور جابفالا” مهمة اقتباسها بصياغة نصّ سينمائي مُحكم حافظ على روح الرواية.
تدور أحداث الفيلم مع الشابة البريطانية “لوسي هانيتشيرش” التي تسافر إلى مدينة فلورنسا في إيطاليا برفقة قريبتها “شارلوت بارتليت”، وتتعرَّف هناك إلى الشاب “جورج إيمرسون” ووالده المنتميَين إلى الطبقة الوسطى، واللذين يتميّزان بأفكارهما ونظرتهما المختلفة إلى الحياة، بعيدًا عن التقاليد والأعراف التي تحكم مجتمعها الأرستقراطي.
ووسط سحر الطبيعة الإيطالية ومناظرها الخلّابة تعيش “لوسي” قصة حب قصيرة مع “جورج”، وحين تعود إلى بريطانيا تحاول طيّ صفحة تلك التجربة والمضي قدمًا في حياتها، حتى إنَّها تستعد للزواج من الشاب الأرستقراطي “سيسيل فايس”، لتجد نفسها حائرة بين حبٍّ لم تستطع نسيانه ومستقبلٍ اختارته إرضاءً لتقاليد مجتمعها.
لقد أبدعت “هيلينا بونهام كارتر” في تجسيد شخصية “لوسي” من خلال أدائها الرقيق والعفوي الذي عكس صراعها الداخلي بين مشاعرها العاطفية والقيود الاجتماعية، فيما جسَّد “جوليان ساندز” شخصية “جورج إيمرسون” بإحساسٍ مُرهف أبرز مشاعره ونظرته إلى الحبِّ والحياة.
أمَّا “دانييل دي لويس” فقد أبدع أيضًا في شخصية “سيسيل فايس” كشاب ارستقراطي مغرور ومتصنّع، ولم يقلّ تألّق الشخصيات المُساندة أهميةً عن الأبطال، إذ قدَّمت “ماغي سميث” أداءً رائعًا في شخصية “شارلوت بارتليت” المرأة المحافظة التي تجمع بين التزمُّت والارتباك والطرافة، بينما أضفت “جودي دنش” حضورًا مفعمًا بالحيوية في شخصية الروائية “إلينور لافيش”، ولا أنسى “دينهولم إليوت” الذي قدَّم أداءً جميلًا بشخصية السيد “إيمرسون”.
بلغت ميزانية إنتاج الفيلم نحو 3 ملايين دولار، وقد حقَّق نجاحًا كبيرًا بإيراداتٍ تزيد عن 24 مليون دولار في شباك التذاكر في أمريكا وبقية دول العالم، حيث نال إعجاب الجمهور وكذلك النقاد، وفاز الفيلم بـ 3 جوائز أوسكار لأفضل نص سينمائي مقتبس وأفضل تصميم مواقع وأفضل تصميم أزياء، وترشَّح لـ 5 جوائز أخرى، لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل ممثل مساعد “دينهولم إليوت” وأفضل ممثلة مساعدة “ماغي سميث” وأفضل تصوير.
لقد قدّم “جيمس آيفوري” تحفة سينمائية تفيض بجمال الطبيعة الإيطالية وسحر الريف الإنجليزي، إلى جانب الديكورات والأزياء التي أعادت إحياء أجواء العصر الإدواردي بأناقة لافتة، ويكتمل هذا الجمال مع الموسيقى الكلاسيكية التي تمَّ استخدامها في بعض المَشاهد، ولا سيما المقطوعات الأوبرالية للموسيقار “جياكومو بوتشيني”، وأنا شخصيًّا أعدّ هذا الفيلم واحدًا من أجمل ما شاهدت على الإطلاق.