فنون
لطالما ارتبط التصوير بالأبيض والأسود بالعصر الذهبي للسينما، حين كانت الظلال والأضواء تتحدَّث بلغةٍ لا تقلُّ بلاغة عن الحوار، ورغم التطوُّر التقني الهائل الذي شهدته السينما الحديثة وما أتاحته الألوان من إمكاناتٍ بصرية مذهلة فإنَّ بعض صنّاع الأفلام ما زالوا يعودون إلى الأبيض والأسود إيمانًا بأنَّ تجريد الصورة من ألوانها قد يمنحها جمالًا استثنائيًّا وعمقًا دراميًّا يصعب تحقيقه بوسائل أخرى.
وهذا ما فعله الأخوان “جويل كووين” و”إيثان كووين” في فيلمهما الرائع “The Man Who Wasn’t There” أو “الرجل الذي لم يكن هناك” في عام 2001، حيث قاما بكتابة النصِّ السينمائي وإخراجه على الشاشة برؤيةٍ فنية مذهلة، بصحبة المصوِّر المخضرم “روجر ديكينز”، الذي حوَّل عالَم الفيلم القاتم إلى تحفةٍ سينمائية خلَّابة بالأبيض والأسود، تتجلّى فيها عبقريته الاستثنائية في توظيف الإضاءة والظلال، والعتمة والسطوع، وتشكيل الكادرات بعناية فنية بالغة، حتى تبدو كلُّ لقطةٍ وكأنَّها لوحةٌ فوتوغرافية تستحقُّ التأمل.
لم يكن جمال التصوير مجرَّد استعراضٍ بصري، بل كان عنصرًا جوهريًّا في سرد القصة وتجسيد غموضها، مستحضرًا روح أفلام الجريمة الكلاسيكية بحسٍّ فني حديث، ولقاء ذلك ترشَّح الفيلم لجائزة الأوسكار لأفضل تصوير.
تدور أحداث الفيلم في عام 1949، مع “إد كرين”، وهو حلَّاق هادئ وقليل الكلام يعيش في بلدة سانتا روزا في كاليفورنيا مع زوجته “دوريس” التي تعمل محاسبة في أحد المتاجر. إنَّه يمضي أيامه أسيرًا لرتابة قاتلة وفراغ عاطفي وعزلة نفسية عميقة، حتى يبدو وكأنَّه مجرَّد متفرج على حياته، يراقبها وهي تمضي أمام عينيه دون أن يجد في نفسه رغبةً حقيقية في تغيير مسارها أو التحرُّر منها.
لكن تتغيَّر حياة “إد كرين” فجأة حين تتاح أمامه فرصةٌ للاستثمار في مشروعٍ تجاري جديد، ويعتقد أنَّه قد يمنحه فرصة للهروب من واقعه البائس، وفي سبيل الحصول على المال اللازم يتّخذ قرارًا محفوفًا بالمخاطر، دون أن يدرك أنَّ قراره سيطلق سلسلة من الأحداث المتلاحقة والمنعطفات غير المتوقَّعة التي ستقوده إلى متاهةٍ معقَّدة من الابتزاز والخيانة والجريمة، وتكشف أمامه حقائق صادمة تقلب حياته رأسًا على عقب.
“بيلي بوب ثورنتون” قدَّم أفضل أداءٍ في مسيرته السينمائية بشخصية “إد كرين”، معتمدًا على تعابير وجهه الجامدة ونظراته الشاردة، ليكشف عن رجلٍ مثقل بالوحدة والاغتراب والعجز عن التواصل مع الآخرين، والأجمل في أدائه أنَّه استطاع أن ينقل مشاعره دون الحاجة إلى حواراتٍ مطوَّلة أو انفعالاتٍ مبالغ فيها، فهو رجل يبدو مستسلمًا لواقعه، ولا يكاد يُظهر فرحًا أو حزنًا أو غضبًا، ومع ذلك نشعر بما يختلج في داخله من إحباطٍ وحيرة ورغبات مكبوتة.
شارك في الفيلم أيضًا نخبة من الممثلين، وقد أبدعوا جميعًا، وأبرزهم “فرانسيس ماكدورماند” و”جيمس غاندولفيني” و”سكارليت جوهانسون” و”ريتشارد جينكينز” و”توني شلهوب”. الموسيقى التصويرية لـ “كارتر برويل” كانت جميلة ومنسجمة مع أحداث الفيلم، كما تمَّ استخدام مجموعة من سوناتات البيانو الكلاسيكية لـ “بيتهوفِن”، وفي مقدمتها “سوناتا الشفقة” التي أضفت بنغماتها الآسرة إحساسًا عميقًا بالشجن والحنين والجمال.