Blog

واحات شيخ المترجمين محمد عناني

واحات شيخ المترجمين محمد عناني

أصبحَت الآن مجموعة كبيرة مِن كُتب الدكتور محمد عناني متاحة للقراءة مجانًا على تطبيق مؤسسة هنداوي الدولية، فهناك 25 كتابًا من تأليفه -بما فيها الأجزاء الأربعة من سيرته الذاتية– و21 كتابًا من ترجماته حتى الآن. وأُحِبُّ العودة إلى سيرته الذاتية الممتعة التي لا أملّ منها، وهي مذكرات وصَفها الشاعر فاروق شوشة بأنها «مفعمة بروح الشعر، مُندّاة بقطرات خفية من الدمع». وعناني كاتب ومترجم قدير، وقد أطلق عليه بعضهم «شيخ المترجمين».

ومحمد عناني -رحمه الله- عمِل رئيسًا لقسم اللغة الإنجليزية وآدابها بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ورئيسًا لتحرير مجلتَي «المسرح» و«سطور»، وخبيرًا بلجان مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ويراه صديقه ماهر شفيق فريد نموذجًا، «يمثل التحامًا مثمرًا بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، بين الدرس الأدبي واللغوي والإبداع الفني، بين العودة إلى الجذور والانفتاح على أحدث ما في نظريات النقد والأدب».

والحقيقة أنَّني مغرم بمذكرات الأدباء والنقاد الذين عاشوا حقبة واحدة وبينهم صداقة ويظهر بعضهم في سِيَر بعض، وكلُّهم عملوا بالترجمة والنقد الأدبي: من محمد عناني في واحاته، إلى ماهر شفيق فريد الذي بثَّ كثيرًا من مواقف حياته ونظراته في الفنون والآداب في ثنايا كتبه الضخمة، أو المترجم والناقد ماهر البطوطي في سيرته المميزة «الجيل الرائع». وكذلك عُدْتُ إلى مذكرات صديقهم سمير سرحان «أيام العمر الجميل»، وفيها وصف ممتع لسنوات الجامعة عند عناني وحكايات عن والده.

عناني في «أيام العمر الجميل»

يذكر سمير سرحان في سيرته أنه تعرَّف إلى محمد عناني حين كان هو لا يزال طالبًا في الليسانس بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها، وكان محمد عناني قد تخرَّج قبل ذلك بعامين في القسم نفسه وعُيّن معيدًا به. ويأخذ في وصف شخصيته بأنه «كان وقتها فتى مشرقًا، ضاحك الوجه، متهلل الأسارير، مقبلًا على الحياة إقبالًا هائلًا، وكان لسان حاله يهتف دائمًا: “أهلًا بالحياة!”. ورغم أنه كان يميل قليلًا إلى السمنة، فإنّ قوامه الفارع لم يسمح لهذا القدر من البدانة بأن يؤثر في تناسق مظهره العامّ. جذبني إليه لأول وهلة بوجهه الطفولي البريء، وضحكته المجلجلة الصافية دائمًا وهي تصدُر مباشرة من القلب، خصوصًا حين يتذكر طفولته الأُولى في رشيد، فينسى لهجته القاهرية المكتسبة، ويتحوَّل إلى الحديث باللهجة الرشيدية المحببة إليه وإلى السامعين، فيغفل عن نطق نهايات الحروف، ويمطّ في الكلمات مطًّا حتى لكأنه يزيد معانيها عمقًا وحماسًا».

ثمَّ يكمل الوصف الممتع قائلًا: «من الوهلة الأولى لِتعارُفِنا عرفتُ أنَّ محمد عناني يهوى الشعر والطيور، وأنَّه وَرِثَ حُب الاثنين من والده (…) وقد غرس محمد عناني الأب في ابنه حُب الفنون والآداب والطيور والموسيقى جميعًا، فكان الابن شديد الإعجاب بوالده، يُقلِّده أحيانًا ضاحكًا من محاولاته في كتابة الشعر التعليمي الساذج الذي يحذِّر فيه عناني (الأب) من قيود الزواج ونفقاته، أو قصيدته العصماء في وصف فوائد الملوخية بالأرانب، أو في تعداد مزايا البطاطس، سيدة خضراوات هذا العالم. وكنت وصديقي العناني الابن نضحك ملء أشداقنا من هذا الشعر الساذج الذي ينظمه الوالد في فحولة لغوية واضحة لا تتناسب مع المحتوى التافه لهذه الأشعار المنظومة، وكنا نتندر بهواية الوالد في ركوب الطائرات دونما هدف أو قصد سوى الطيران نفسه، حتى أنفق ما لديه من مال -أو كاد- على تلك الهواية، وعلى هواية الطيور، الغريبة منها والمألوفة، ورسمها وتصويرها وتوثيقها وإثبات كل ذلك في كتاب ضخم لم يُقدَّر له أن يُنشر حتى الآن».

استطراد عن الطيور

لكني حين بحثتُ وجدتُ أنّ الكتاب نُشِر لاحقًا عام 1990 بعنوان «طيور مصر» لمؤلفه محمد محمد عناني الأب، وتتوفر منه نسخة إلكترونية على موقع «هنداوي»، الذي يصفه بأنه «كتابٌ فريد، يَسُدّ فراغًا هائلًا في المكتبة العربية، إذ يعرض لجميع طيور مصر المُستوطِنة والزائرة، ويستقي مادته من المصادر الأصلية، وأهمها الرصد والمشاهدة والفحص قبل الرجوع إلى الكتب المتخصصة»، وهو «ثمرةُ جهدٍ متواصل على مدار عشرين عامًا». ومن طريف ما فيه إهداؤه، إذ يقول: «إلى هُواة الطيور الذين تذوَّقوا حقيقةَ الجمال من فاتنِ ألوانها، وجرَعوا زُلالَ الحياة من ساطعِ بريقها».

وذكَّرني الحديث عن الطيور بكتاب للناقدة عايدة الشريف بعنوان «الإنسان والطائر»، وفيه فصول عن العلاقة بين الإنسان والطيور، وتاريخ ثقافي لها. وتتساءل في كتابها: «هل حاوَرَ الإنسان يومًا بُلبلًا على شجرةٍ أو غصن؟ ولو أدرك حقيقة الأمر لقطع ما بينه وبين هذه الكائنات من مسافات وعانقها بأُخوّة». وعايدة كاتبة عاصرت كثيرين، كما يظهر لنا في ذكرياتها التي صدرت بعنوان «شاهدة ربع قرن»، وهي مذكرات فريدة، ولها كتاب بديع بعنوان «محمود محمد شاكر.. قصة قلم» عن سيرة الأستاذ الكبير.

وفي كتاب «قراءة غير ملزمة» للشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا، الحائزة جائزة نوبل، صفحة ممتعة في مديح الطيور. وفي «أسئلة مُلِحّة»، وهو كتاب مقالات لمارجريت أتوود، صفحة عن عشق زوجها الروائي جريم جيبسون للطيور، تحكي فيها عن كتابه فتقول: «ما هدفَ إليه هو الطُّرق العِدَّة التي أثَّرَت بها الطيور في الناس، على مدار قرون عدة وخلال كل الثقافات. رسم البشر الطيور منذ أن أصبحنا بشرًا (…) معاونين، رُسلًا ومرشدين، رموزًا للأمل والطموح. وللطيور أيضًا حضور شيطانيّ، وكانت نُذُرَ الهلاك. كما قد قيل، حصلَت الملائكة على أجنحتها من الطيور، لكنَّ الشياطين حصلت على مخالبها (…) وقد جمع جريم أساطير عن الطيور، وحكايات شعبية عن الطيور، ولوحات ورسومًا ومنحوتات تُصوِّر طيورًا، وقصائد طيور، ومقاطع من روايات، وقصصًا لعلماء أحياء ورحَّالة. مصنف متفرقات هو نوع من دفتر قصاصات، ودفتر القصاصات الذي كان يؤلفه هائل جدًّا». وفي كتاب أتوود صفحات مميزة عن حُبِّها لشكسبير، وتفاصيل عن الروائي فرانز كافكا، وحديث عن كنز الكلمات وكيف تكتب رواياتها، وصفحة فريدة عن عنايتها بالملابس والموضات في أدبها.

ولنتوقف الآن عن الاسترسال في هذا التحليق، ونهبط عائدين إلى محمد عناني.

حزن في مطار لندن

يذكر سمير سرحان أنَّه، مع كلِّ هذا التندُّر بأحاديث الأب، «كان محمد عناني يحمل لوالده احترامًا لا حدَّ له، وحُبًّا يقترب من درجة العشق، جعلني أهوى ذلك الوالد وآنس إليه، وأتندَّر بغرائب أقواله وأفعاله مع صديقي، وكنا نتذكر معًا نوادره وأخباره في سعادةٍ تُذهِب عنا هموم الدنيا».

وعندما توقف سمير سرحان في لندن ليبيت فيها ليلة واحدة في طريقه إلى واشنطن، شعر بسعادةٍ لا حدَّ لها، إذ كان سيقضي ليلته مع صديقه محمد عناني الذي كان عليه أن يفارقه بعد ذلك لسنين لا يدري كم تطول. ولكنَّه عندما ألقى نظرته الأولى على صديقه الذي وقف ينتظره في صالة استقبال المطار، كاد لا يتعرف عليه، فقد وجد في المطار شخصًا آخر: كان العناني يرتدي معطفًا ثقيلًا، ويضع على رأسه قلنسوة من الفرو الثقيل تكاد تُخفي أذنيه وجزءًا كبيرًا من وجهه، وكان يحمل في يده شمسية ضخمة. لكنَّ أكثر ما راعه، فوق غرابة منظره، أنَّ ابتسامته المعهودة وضحكته المجلجلة الصافية قد اختفتا تمامًا، ليحلّ محلّهما حزن هادئ ورزين، وكأنَّ الطفل البريء بداخله قد اغتيل فجأة، ليحلّ محلّه رَجُل كبير يحمل على كاهله هموم السنين.

وأدرك سمير سرحان في ذلك الحين أنَّ مرحلة البراءة من عُمرَيهما قد انتهت، وأنَّ سنوات النضج المقبلة، مع كلِّ ما قد تحمله من تحقيق للأحلام، ستكون مصحوبة دائمًا بذلك الحزن الرقيق على زمن مضى كانا فيه طفلين.

المسيري وعناني في العراق تحت القصف

في بطون السِّيَر الذاتية مشاهد مميزة، ومنها مشهد قصف المفاعل النووي العراقي، الذي شهده محمد عناني ووصفه في مذكراته «واحات مصرية»، إذ كان في بغداد مُراجِعًا للترجمة في مؤتمر هناك، ومعه عبد الوهاب المسيري الذي راهن على أنها غارة إسرائيلية، فضحك منه الحاضرون، ثمَّ صدقت نبوءته.

يقول عناني: «وكنتُ سافرتُ في أثناء إعداد المجلة إلى العراق -لأول وآخر مرة- للعمل مُراجِعًا للترجمة بمؤتمر تعقده منظمة المؤتمر الإسلامي. وكنا في يوم 7 يونيو، وكان يوم الأحد، نجلس في قاعة الترجمة بمبنى مجلس قيادة الثورة، حين سمعنا صفارة الإنذار، فحسبناها غارةً إيرانية، وشاهدنا من الشبّاك المدافع المضادة للطائرات تُطلِق طلقاتٍ كثيرة سريعة، ولم يكُن المساء قد حلّ بعدُ، فلم نخَف ولم نترك القاعة، بل وقفنا نرقُب المدافع التي لم تكُن تبعُد كثيرًا عنا. وكان معي حسين العليمي -المترجم- فقال لي: “لا يمكن أن يضرب الإيرانيون منظمة المؤتمر الإسلامي… فهُم أعضاء فيها!”. ودخل الغرفةَ الدكتور عبد الوهاب المسيري وكان يعمل معنا بالترجمة، فقال: “أُراهنكم أنها إسرائيل!”. وضحكنا؛ كيف تأتي الطائرات الإسرائيلية من فوق سوريا أو الأردن دون اعتراضٍ لضرب بغداد؟ وماذا يُفيدها من ضرب منظمة المؤتمر الإسلامي؟ وبتنا الليلة دون أن نعرف الحقيقة. ولم نعرف سوى في الصباح التالي أنها كانت طائرات إسرائيلية وأنها دمَّرَت المفاعل النووي العراقي تمامًا! وقال لنا زميلٌ عراقيٌّ إنَّ الإسرائيليين دمَّروا المنشآت السطحية فقط، ولم يَصِلُوا إلى المفاعل الذي كان خبيئًا تحت الأرض. ولكننا عندما عُدنا إلى مصر سمعنا موشي ديان يقول (يوم 24) إنهم “دمَّروا كل شيء”، وإن لديهم ما سمّاه “المقدرة” أو “القدرة النووية” (nuclear capability) وحدهم في المنطقة (وقد تُوفي ديان في أكتوبر من ذلك العام)».

وحكى محمد عناني في مذكراته طرائف عن الاستعانة بمترجم من جنسية غير عربية في أحد المؤتمرات الدولية. يقول: «كان عدد الأخطاء التي أخطأها مذهلًا. ولو كنا صدَّقناه وسمحنا له بالعمل رسميًّا معنا لجلَب لنا المصائب، إذ اختلطَ عليه بعض المعاني مثل “الضفة الغربية-West Bank” التي ترجمها بـ”البنك الغربي” و”التسوية السلمية-peaceful settlement ” إذ ترجمها بـ”المستوطنة السلمية”. ولا أدري ما عساه أن يحدث لو قُلنا إنّ البلدان العربية تُطالِب بمستوطنةٍ سلميةٍ في الشرق الأوسط!».

عناني وشكسبير

كتب ماهر شفيق فريد مُعلِّقًا على مسرحية «ريتشارد الثاني» لوليم شكسبير، التي ترجمها محمد عناني: «إنّ ما يميّز هذه المسرحيةَ ويجعلها أشبهَ بقصيدةٍ غنائية (بل يجعلها أشبهَ بأوبرا) هو لُغَتُها، فقد قُدَّت من نَفْس قماشة “السوناتات” و”روميو وجولييت”».

انظر إلى كلمة «قُدَّت» كيف زيّن بها حديثه، ووضعها في موضعها الدقيق، وهي مِن معجم القرآن الكريم، في سورة يوسف: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾.

ثم يتعقّب ماهرٌ ترجمةَ صديقه محمد عناني، ويقول عنها: «وقد نثرَ عناني في تضاعيف ترجمته أصداءً من القرآن الكريم: “هل أنقُضُ ما غزلَتْه يدُ الحماقة من بعدِ قوّةٍ أنكاثًا؟”، ومن المتنبي: “كفى بجسمي نحولًا أنه أصبح كالمقبرة”، ومن كثيرٍ غير ذلك، بما جعل من ترجمته قطعةً أدبيةً عربيةً بحقّها الخاص».

ومن الجميل أن نزور واحات عناني المصرية، ونتقلب في واحات غُربته، ونتعرَّف إلى سيرته التي تفيض بالأحاديث الأدبية والشعرية، وتجمع بين الأدب العربي والأجنبي.

شارك

مقالات ذات صلة