Blog
شاهدنا كما شاهد العالم طائرة «فلاي دبي» التي هبطت اضطراريًّا في تبوك، وعلى متنها ركاب إسرائيليون، فاستوقفني اسم المكان قبل تفاصيل الحادث، فتبوك التي يعود إليها التاريخ كلَّما حاول الحاضر أن يفسِّر أحداثه في أكثر من منحى جغرافي في قراءة التواجد اليهودي القديم في جزيرة العرب وخصوصا شمالها.
ومن تبوك يأخذني التأمل في شمال الحجاز في صدر الإسلام، أعني إلى خيبر وقرى شمال الحجاز، حيث كانت العلاقة بين النبي ﷺ والجماعات اليهودية مليئة بالأحداث فمنها الصراع العسكري، ومنها العهود والصلح المؤقت وممارسات ما قبل الحرب وتسويات ما بعد المواجهة، فكانت المنطقة العربية ذات شأنٍ استراتيجي في ذاكرة اليهود، وتقع على طرق القوافل من الشام الى الحجاز، وتضم واحاتٍ ومراكز زراعية وحصونًا، وكان على الدولة الناشئة الاسلامية أن تبني أمنها وتحمي طرقها وتحدِّد علاقتها بالقوى المحيطة بها.
وعجيبٌ ما تكشفه أخبار تلك المرحلة من تكرار التوتر ونقض العهود بين النبي ﷺ وبعض جماعات اليهود في الجزيرة، فالعلاقة بدأت في المدينة بعهدٍ ينظّم الحقوق والواجبات، ويفتح باب التعايش بين مكوِّنات المجتمع العربي المسلم ومعهم اليهود في المدينة، لكن سرعان ما واجهت الدولة الناشئة أزماتٍ متتابعة، انتهت في كلِّ مرةٍ بإجراءٍ يناسب الواقعة والجماعة المعنية.
فبعد بدر، وقع الخلاف مع يهود بني قينقاع وانتهى بإجلائهم، ثمَّ جاءت أزمة يهود بني النضير، التي اتهمتهم الروايات بمحاولة قتل النبي ﷺ، فأُخرجوا من المدينة، وبعد ذلك، وفي أثناء غزوة الخندق، كان موقف يهود بني قريظة يمثل نقضًا للعهد في لحظةٍ كانت فيها المدينة تواجه حصارًا وخطرًا وجوديًّا أمام قريش، فالإسلام الذي دعا الى التعايش مع اليهود في الحجاز لم يقابله اليهود الا بالنكران والجحود والمؤامرات.
ثمَّ امتدَّ المشهد إلى شمال الحجاز، حيث كانت خيبر وواحاتها ذات أهمية زراعية واستراتيجية. وبعد فتحها، لم يُخرج النبي ﷺ سكانها اليهود فورًا، بل أُبقوا يعملون في الأرض على جزءٍ من غلتها، بينما اختلفت الترتيبات في وادي القرى وتيماء. وفي المقابل، أُبرمت عهود أمان وصلح مع جماعات يهودية في بعض قرى شمال الجزيرة العربية، وشملت حماية الأنفس والأموال وتنظيم الالتزامات، وهكذا لم تكن السياسة النبوية قرارًا واحدًا تجاه يهود ذلك الزمان، بل تفاوتت بين المواجهة والصلح، وفق الوقائع والعهود وموقف كل جماعة يهودية.
أمَّا الإجلاء الأوسع لليهود من الحجاز، فقد وقع في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد وفاة النبي ﷺ، استنادًا إلى ما سمعه منه في شأن إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب.