Blog

سوريا بين الترند والسياسة

سبتمبر 22, 2026

سوريا بين الترند والسياسة

يونس العيسىيحدث في سوريا، ومنذ مدة، في المساء ترند، ثم نستيقظ صباحاً على ترند جديد، كأن البلاد لا تعيش يوماً واحداً متصلاً، بل تعيش في حلقات منفصلة، لكل حلقة ضجيجها وغضبها وأسئلتها. تصريح لمسؤول، قرار حكومي، حادثة اجتماعية، قضية اقتصادية، مشهد فني، ثم موجة نشرها على مواقع التواصل، قبل أن يطويها ترند آخر.وهكذا صار السوري يعيش على إيقاع الشاشة، يفتح هاتفه ليعرف ما الذي ينبغي أن يشاهده اليوم. لكن خلف هذا المشهد الصاخب ثمة سؤال أكثر عمقاً: لماذا أصبح الترند بهذه القوة في حياتنا؟وتكاد تنحصر الإجابة في أن هناك فراغاً بين المواطن والجواب الشافي والكافي. المواطن الذي ينتظر تحسناً في راتبه، وانخفاضاً في الأسعار، واستقراراً في الكهرباء، وتحسناً في الخدمات وفرص العمل، لا يريد بالضرورة اجتماعات ولا بيانات وخطباً طويلة، يريد أن يعرف: ماذا سيحدث؟ ومتى؟ وكيف؟ وحين لا يجد جواباً واضحاً وكافياً، يبدأ هو بصناعة الأسئلة على طريقته، وهنا يولد الترند.ليست كل تصريحات المسؤولين سيئة، وليست كل الانتقادات على وسائل التواصل عادلة، لكن المشكلة تبدأ عندما يكون السؤال الذي يطرحه المواطن أكبر من الإجابة التي يحصل عليها من المسؤول. حين يسأل الناس عن الغلاء، يسمعون حديثاً عاماً عن الظروف، وحين يسألون عن الرواتب، يسمعون عن الإمكانات المحدودة، وحين يسألون عن الكهرباء، يسمعون عن الصعوبات، وحين يسألون عن فرص العمل، يسمعون عن التحديات.قد تكون هذه الإجابات صحيحة في جزء منها، لكنها لا تكفي دائماً لإقناع إنسان يذهب إلى السوق كل يوم ويكتشف أن راتبه صار أقل قدرة على شراء احتياجات أسرته، فالمواطن لا يعيش داخل البيانات الرسمية، بل يعيش داخل السوق. لا يقيس الاقتصاد بالمؤشرات فقط، بل يقيسه بعدد الأشياء التي يستطيع شراءها براتبه. ولا يقيس نجاح المؤسسة وتصريحات المسؤول بعدد الوعود، وإنما بالسؤال الذي تطرحه كل أسرة في نهاية الشهر: هل تحسن حالنا أم لا؟وحين لا يجد المواطن جواباً مقنعاً، فإن الفراغ لا يبقى فارغاً. تملؤه المنصات، ويتحول السؤال إلى ترند، والترند إلى حالة شعبية، وتنهال عليه آلاف التعليقات، ثم تبدأ حفلة الينبغيات.ينبغي على الحكومة أن تفعل، وينبغي على الوزير أن يغير، وينبغي خفض الأسعار، وينبغي رفع الرواتب، وينبغي إصلاح الإدارة، وينبغي إعادة النظر في القرار، وينبغي أن تكون السلطة أكثر حزماً، وينبغي أن تكون أكثر مرونة، وينبغي أن نطبق النموذج الفلاني، وينبغي أن نأخذ من هذه الدولة ونترك من تلك. وهكذا يتحول المجال العام إلى سوق ضخمة للينبغيات.المفارقة أن كثرة الينبغيات لا تعني بالضرورة كثرة التفكير السياسي، بل قد تكون العكس تماماً. فالقول “ينبغي” أسهل كثيراً من الإجابة عن سؤال “كيف؟”. من السهل أن نقول إن الاقتصاد يجب أن يتحسن، لكن من الصعب أن نشرح كيف سيحقق الاقتصاد نمواً في بلد خرج من الحرب منهكاً. ومن السهل أن نقول إن الرواتب يجب أن ترتفع، لكن الأصعب أن نحدد من أين ستأتي الموارد. ومن السهل أن نقول إن الدولة يجب أن تقدم خدمات أفضل، لكن الأصعب أن نبني جهازاً إدارياً قادراً على تقديمها.والينبغيات تمنح صاحبها وهم التحليل السياسي والاقتصادي، لدرجة أنه يصبح خبيراً في المجالات كافة، ويزداد وهمه بكثرة المعجبين والمتابعين والتعليقات التي تبني على تحليله.وليس عادلاً أيضاً أن نغفل أثر الفجوة التي يراها المواطن بعينيه بين واقعه وواقع بعض المسؤولين، فحين يرى مواطناً مثقلاً بالفقر وارتفاع الأسعار، بينما يشاهد مسؤولاً يعيش في برج عاجي، يركب السيارات الفخمة ويحيط نفسه بمظاهر البذخ والامتياز، فإن المسألة لا تعود مجرد صورة عابرة على شاشة، بل تتحول إلى شعور بالظلم وانعدام العدالة. المواطن الذي يكافح لتأمين احتياجات أسرته لا يستطيع بسهولة أن يتقبل خطاباً عن ضيق الإمكانات حين يرى، في المقابل، مظاهر إنفاق ورفاهية لدى بعض المسؤولين. وهنا تتسع المسافة بين السلطة والمجتمع، ويتحول المشهد نفسه إلى قضية عامة، لأن الناس لا تقارن فقط بين ما يقال وما يتحقق، بل بين ما تعيشه هي وما تراه أمامها من حياة أصحاب القرار.وكذلك يجب عدم تحميل وسائل التواصل وحدها مسؤولية هذا المشهد، فالترند لا يولد من فراغ، إنه ابن بيئته. عندما تكون حياة الناس مستقرة نسبياً، قد يكون الترند مجرد تسلية أو نقاش عابر. أما عندما يكون المواطن قلقاً على دخله، وعلى مستقبل أبنائه، وعلى قدرته على شراء حاجاته الأساسية، فإن كل تصريح رسمي يمس حياته يمكن أن يتحول إلى قضية عامة.ولهذا فإن التعامل مع الترند باعتباره مجرد ضجيج إلكتروني يخطئ في قراءة المشكلة. الترند أحياناً هو رسالة اجتماعية تقول للمسؤول: هناك سؤال لم يجد جواباً. وقد يكون السؤال مبالغاً فيه، وقد تكون بعض الإجابات المتداولة خاطئة، وقد يستغل البعض الحدث سياسياً، لكن أصل القلق لا ينبغي تجاهله لمجرد أنه ظهر على منصة اجتماعية.والمشكلة ليست أن الناس تتحدث، بل إن بعض الناس لا يجدون مكاناً آخر يسمعون فيه جواباً واضحاً. ولهذا فإن المواطن اليوم أكثر حساسية تجاه الكلمات الكبيرة؛ لا يكفي أن نقول له إن المستقبل أفضل، إنه يريد أن يعرف متى يبدأ هذا المستقبل بالدخول إلى بيته. لا يريد أن يسمع فقط أن الاقتصاد سيتحسن، بل يريد أن يرى أثر ذلك في السوق، ولا يريد أن يسمع فقط أن الخدمات ستتحسن، بل يريد أن يفتح صنبور الماء ويجد الماء، ولا يريد أن يسمع فقط أن التعليم أولوية، بل يريد مدرسة يستطيع ابنه أن يتعلم فيها تعليماً جيداً، ولا يضطر إلى تعليمه في المدارس الخاصة.هنا تصبح الشفافية ضرورة، لا ترفاً. المواطن يستطيع أن يتفهم الصعوبة إذا قيلت له الحقيقة بوضوح، وربما يصبر إذا عرف الخطة والمدة والإمكانات والعوائق. أما الغموض، فإنه يفتح الباب للشائعة، والصمت يفتح الباب للتأويل، والإجابة الناقصة تفتح الباب للترند.لكن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها، فهناك مسؤولية أيضاً على النخب والمثقفين والناشطين والإعلام. فليس كل حدث يستحق أن يتحول إلى ترند، وليس كل تصريح يستحق أن يقسم المجتمع إلى معسكرين.المشكلة أن ثقافة الترند عودتنا على السرعة، بينما معركة البناء والتخطيط شيء مختلف. الترند يريد حكماً فورياً، والإجابة تحتاج إلى معلومات، والترند يريد بطلاً وخصماً، ورسم الخطط يحتاج إلى مؤسسات، والترند يريد إجابة من كلمة واحدة، والشفافية الحقيقية تحتاج إلى تفاصيل وأرقام كثيرة.لهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله في سوريا هو أن نحاول إدارة مرحلة تاريخية معقدة بعقلية مواقع التواصل. لا يمكن بناء دولة من خلال استطلاع رأي سريع، ولا يمكن إصلاح الاقتصاد من خلال هاشتاغ، ولا يمكن بناء الثقة بين السلطة والمجتمع من خلال البيانات وحدها.ربما نحتاج جميعاً إلى تغيير السؤال. بدلاً من أن نسأل فقط: ماذا ينبغي أن تفعل الحكومة؟ علينا أن نسأل: ما الذي تستطيع فعله الآن؟ وما الذي يحتاج إلى سنة؟ وما الذي يحتاج إلى خمس سنوات؟ وما الذي لا يمكن تحقيقه قبل إعادة بناء الاقتصاد؟ وما الموارد المتاحة؟ وما الثمن؟هذه الأسئلة ليست أقل حماساً، لكنها أكثر جدية. والمسؤول الذي يشرح للناس لماذا لا يستطيع تحقيق مطلب معين اليوم، وما الخطة للوصول إليه غداً، قد يكون أكثر إقناعاً من مسؤول يقدم وعداً واسعاً لا يستطيع المواطن أن يرى طريقه إلى الواقع. كما أن المواطن الذي يعرف الحقيقة، حتى عندما تكون قاسية، يستطيع أن يبني موقفه على معرفة، لا على الشائعة.السياسة ليست أن نعرف ماذا يقول الناس اليوم، بل أن نفهم لماذا يقولون ذلك. فقد يكون وراء ترند اقتصادي آلاف العائلات التي تعاني فعلاً، وقد يكون وراء الغضب من تصريح لمسؤول شعور أوسع بأن الناس لا تجد إجابات كافية عن مستقبلها، وقد يكون وراء كثرة الينبغيات شعور بالعجز عن التأثير الحقيقي.وهنا لا ينبغي أن نحتقر الترند، ولا أن نقدسه. علينا أن نقرأه، وأن نفككه، وأن نعرف أين ينتهي الضجيج وأين يبدأ الألم الحقيقي، فالمجتمع الذي يرفع صوته لا يحتاج دائماً إلى من يطلب منه أن يصمت، أحياناً يحتاج إلى من يصغي إليه جيداً.وربما آن الأوان لأن ينتقل الخطاب العام في سوريا من سؤال “من قال ماذا؟” إلى سؤال “ماذا تغير؟”. من صاحب التصريح؟ من تصدر الترند؟ من رد عليه؟ هذه كلها تفاصيل عابرة. أما الأسئلة التي ستبقى فهي: هل تحسن دخل المواطن؟ هل انخفضت كلفة الحياة؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل عاد الإنتاج؟ هل عاد التعليم إلى مساره؟ هل أصبح القانون أكثر حضوراً؟ هل يشعر المواطن أن الغد أفضل من اليوم؟وهذه هي السياسة حين تنزل من المنصة إلى الشارع، وهذه هي الدولة حين تتحول من خطاب إلى حياة.لقد خرج السوريون من زمن كان الكلام فيه ممنوعاً، ولا ينبغي أن ننتقل إلى زمن يصبح فيه الكلام هو كل شيء. نريد حرية الكلام، نعم، لكننا نريد معها حرية العمل، وحرية العيش، وحرية التخطيط للغد، وكرامة لا تتوقف عند باب السوق.ولذلك، فإن السؤال الذي أراه أكثر إلحاحاً من كل ترندات الأيام الماضية ليس: ما الذي ينبغي أن يحدث في سوريا؟بل: متى يبدأ المواطن السوري بالشعور أن حياته تتغير فعلاً؟فحين يجد المواطن جواباً حقيقياً عن هذا السؤال، ستتراجع مساحة الترندات التي تولد من القلق، وستضيق سوق الينبغيات التي تتغذى على الفراغ.أما إذا ظل الواقع أبطأ من الوعود، والإجابات أضعف من الأسئلة، فسيقوم الترند بدور البرلمان، وسيستمر في القيام بدور السياسة، وستستمر الينبغيات في القيام بدور التفكير، وهذه علامة على أن السياسة نفسها لم تجد بعد طريقها الكامل إلى حياة السوريين.
شارك

مقالات ذات صلة