Blog

حين تصبح الكتب وجهاً آخر للمقاومة

سبتمبر 21, 2026

حين تصبح الكتب وجهاً آخر للمقاومة

هناء عبد الحكيم قناطري

للحروف والكلمات أثرٌ ووقعٌ في النفوس، لها سحرٌ خاص يأسر من يتملكه ولا يفارقه يكبر معه يوماً بعد يوم يجعله يزداد تعلقًا به، إلى أن يحوله إلى شعلةٍ من نور تمتلئ بالعلم وتنير الطريق وتؤثر في الآخرين.

أثبت السوريون تقديرهم لعالم الحروف، فجعلوا من الكتب أصدقاء يؤنسونهم أيام الحرب، لم تكن مكتبة داريا المخفية تحت الأرض أحجية سرية كأسطورة يبنى عليها آلاف السيناريوهات وآلاف الروايات أولها، ولم تكن مكتبة العم أبو بلال في حمص آخرها، لطالما اختار السوريون حماية كتبهم، تطالعنا الكثير من القصص لمعمِّرين اتخذوا من مهنة بيع الكتب ملاذًا آمنًا يبعدهم عن وحشة الواقع، كما تطالعنا قصص آخرين أحيوا الكتاب المستعمل وانتشلوه من الأقبية والسقائف، وليس أبطال مكتبات الرصيف سوى جزء من القصة.

كانت الكتب الممنوعة الهاجس الذي يقضُّ مضجع السوريين.. كم اشتهوا أن يقرؤوا كتب ابن القيم، وروايات أدب السجون على الملأ أن يتحسسوا رائحة الورق، لكنَّهم حُرموا من ذلك، فكانت الكلمة من الأسلحة الأمضى التي يخافها آل الأسد، أرادوا أن يُغرِقوا الشعب في الظلام، أن يمطروه بوابل من المطبوعات الأسديّة والبعثيَّة.

رغم أنَّي كنت ضحيةً لسحر الكلمات منذ سنوات طفولتي الأولى، وكنت أقرأ نصوص كتاب القراءة من أول صفحة إلى آخرها في اللحظة التي أستلم فيها الكتاب إلا أنِّي كنت أبغض ما يمجد هذه العائلة وكنا نشوِّه صور الأب والابن التي ملأت صفحات كتبنا، في الوقت نفسه كنت أعشق النصوص التي تناصر القضية الفلسطينية.

يا للمفارقة العجيبة، كانوا يتذرعون بنصرتهم للمقاومة لينومونا مغناطيسيًا فنؤمن بفكرهم، لكن دون جدوى، أنا وأختي وصديقاتي القليلات اللواتي كنَّ يقرأن في ذلك الوقت، تملكنا الفضول حول ما يمنعونه من الكتب كنا نتناقلها في السر ونقرأها بشغف منقطع النظير ما زالت العناوين الجاذبة لتلك الكتب تستهويني، ما يدعو منها إلى الحرية، ما يبث فينا شعلة الإيمان الحقيقي، ما يجعلنا نقدِّر أنفسنا كبشر (القوقعة، لا تحزن، استمتع بحياتك، حيونة الإنسان، العديد من الكتب الدينية والفكرية….)

لو كانت لدي مكتبة أثناء الثورة لخفت عليها كثيرًا لشغلت فكري مع كل نزوح لفكرت بألف طريقة لأخفيها كما فعل الأشراف، إنَّها فطرة جُبِل عليها السوريون.

ولكن لم أستطع تأسيس المكتبة البيضاء ذات الرفوف الخشبية الكثيرة التي حلمت بها منذ نعومة أظفاري إلَّا منذ سنوات معدودة ولعلَّ هذا التأخير كان لخير؛ فقد استطعت إنقاذ كتب ومذكرات الثورة التي كنت أكتبها من خلال نقلها بالصناديق من مكان لآخر، ولم أكن لأتمكن من نقل المكتبة كاملة، وما زال البعض من هذه الكتب في الصناديق نفسها، فحجم مكتبتي أصغر من أن يستوعبها.

في سنوات الثورة أصرينا نحن الشباب السوريين في حمص على إنشاء نوادي القراءة (نهم، أصدقاء الكتاب..)، كنا نقرأ ونعقد جلسات مناقشة ونتبادل الأفكار على اختلاف طوائفنا، ولكن كان هناك اتفاق سريٌّ غير معلن فيما بيننا هو الابتعاد عن الكتب المشبوهة في ذاك الوقت إن صح التعبير؛ لم نكن نأمن على أنفسنا حتى من أنفسنا.

لذا كان أولُّ مشروع عقدت العزم عليه بعد أن منَّ الله علينا بالتحرير هو إحياء شعلة القراءة في الأجيال الناشئة، لم يُكتب لمشروعنا الاستمرار لمدة طويلة وذلك بسبب عدم وجود مكان خاص بنا يسعنا نحن ونقاشاتنا الصاخبة وكتبنا التي انتقيناها من مكتبات حمص وإدلب ووصلتنا من المتبرعين، ولكنالحمد للهاستطعنا أن نوصل الرسالة الأولى وأن نحيي البذرة الأولى في النفوس، فالقارئ لا يحتاج إلّا لومضة واحدة، وهو يمتلك القدرة على مواصلة الطريق.

لعلَّ ما ينكشف من قصصٍ حول بذل الغالي والنفيس وابتكار طرقٍ إبداعيَّة لحماية الكتب يكشف جانبًا آخر من إرادة السوريين، وسببًا آخر من سعيهم نحو التحرير الفكري والروحي والجسدي، فقد آثروا الاهتمام بكتبهم والتضحية في الحفاظ عليها وتقدير قيمتها وسط القصف والرصاص والاعتقال والسعي نحو مكان شبه آمن وتأمين لقمة العيش، لم ينسوها وكان لها جانبٌ من رعايتهم.

مثل هذه القصص تنهض بنفوسٍ وأرواحٍ تمتلك أمارات النهضة بأمة اقرأ وتقدِّر أول ما نزل علينا من الوحي الإلهي، ولكنها تحتاج إلى هذه الومضة التي تحدثنا عنها لتستنير.

السوريون شعبٌ يؤمن بالأمل ولو لم تكن لديهم آمال ويقين أن الحرية ستعود إليهم، لما غامروا من أجل الكتب في سبيل أن يعيشوا نشوة الكشف عنها والاستزادة من فائدتها ولو بعد حين.

شارك

مقالات ذات صلة