آراء

شجون العودة للكتابة

شجون العودة للكتابة

سألني صديقي: «أين مقالاتك المطولة على موقع “سطور”؟»، قلت له: «أنا في فترة راحة حاليًّا، للتركيز على مقالاتي القصيرة، وسأعود قريبًا». وعندما هممت بالعودة، وقفت أمام مكتبتي وأخذت كتابًا تاريخيًّا أنهيت قراءته، وكنت قد دوَّنت فيه هوامشي وملاحظاتي عليه حتى أكتب عنه، وكعادتي قررت الكتابة عنه للقرَّاء، والنية مقالة مطولة تحكي أهمّ أفكار الكاتب وأهمّ نقاط نقدي للكتاب، مثلما أنوي فعل ذلك مع كتاب «وينستون تشرشل.. عصره وجرائمه» لطارق علي في مقالةٍ قادمة -إن شاء الله-، ثمَّ وقفت مع نفسي وقفة وقلت: لِنَحْكِ قليلًا عن نفسي والكتابة والقراءة، قبل أن نعود للقراء بمراجعات الكتب.

الحديث عن النفس مُحبَّب، وأنا هواي مقسم بين هموم منوعة، أحكيها لكم. أوَّلها العمل في الإعلام والأفلام الوثائقية وتحويل الكتب إلى أفلامٍ مصورة في برنامج «مذكرات»، والعيش في ظلال المذكرات مع شخصيات مثل لورنس العرب والوزير زكي يماني والسيدة إنجيلا ميركل وطائفة منوعة من مذكرات أهل السياسة. والهمُّ الثاني الكتابة وشجونها والبحث عن مصادرها وتتبُّع الكتب المفيدة للحديث عنها، لكن الانشغال بالوثائقيات والكتب يحجب عن القراء همومًا ذاتية أُخرى.

مثلًا، جرَّبت شعور خيبة الأمل في مسألةٍ تعلقتُ بها وتمنَّيت أن تنجح، جرَّبتها عدة مرات وبدأت أتعلَّق بها وأشعر بالاقتراب من بلوغ النجاح فيها، ثمَّ سمعت صوت إغلاق الباب وانتهاء الموضوع الذي تعلقَت نفسي به. والغريب أنَّني في البداية كابرت وأنكرت أنَّني حزين، حاولت أن أكون طبيعيًّا وأشعر بعدم الأسى على فوات المأمول وخسارة التجربة، ثمَّ صارحت نفسي بحزني على عدم بلوغي تمام الأمر الذي صَبَوْتُ إليه. غريبةٌ مداخل النفس؛ تريد أن تُظهِر عدم التأثر بما يفوتها من الأحلام، وأنا خبير في أحلام اليقظة، استيقظت على أرض الواقع، أحاول أن أفكِّر في شعورين: الأول أنَّ خلْف كلِّ خيبةٍ في مجال أو تعثُّر في تجربةٍ دافعًا لأنْ تطرق بابًا آخر، والأمر الثاني أن تتعلم إتقان فنون هذا الباب بطريقة أفضل.

فقدتُ البوح الذاتي على وسائل التواصل وسط إعلاناتي عن الكتب وحكايات الوثائقيات، وراء ذلك أنا شخصٌ يعيش ويجرِّب ويأمل مع طموحات غير مكتملة، بل يتمتع بالتجارب الناقصة، ويتعلَّق بأملٍ لا يلبث أن يكشف زيف وعوده، وفي الحياة ما يشاركه الناس هو قصص النجاح، أقصد بها لحظات الظهور والنتائج النهائية والتوهج، أمَّا التجارب التي لم تكتمل وقصص الفشل وحكايات التعثر فلا تظهر للعلن، وقد ساعد على ذلك أنَّ وسائل التواصل تحتفي بالنجاح والتجارب التي تلفت النظر.

ما الحكمة من كلِّ هذه الثرثرة؟ أريد القول لنفسي ولكم: لا داعيَ للانبهار بلحظات النجاح والظهور للناس على وسائل التواصل، فأنت لا تعلم الكواليس وما خلف المشهد من متاعب وتجارب فاشلة وعثرات، ولا تتخيل أنَّ الضفة الأخرى أكثر اخضرارًا من ضفَّتك، لكلٍّ واحدٍ حديقته، يسقيها بطريقته وينمو فيها نباته بالطول الذي يناسبه، فلا تتطلَّع إلى أشجار الآخرين، وانتبه إلى وردتك الخاصة ودَعْ جذورك تتثبَّت في أرض المعرفة بالجهد والعمل ودعاء الله بالتوفيق أولًا وآخرًا.

استعذبتُ الاقتباس الذي شاركه الكاتب والمترجم أحمد الزناتي من مذكرات الكاتب أحمد عناني، إذ يقول: «كان رشاد رشدي -رحمه الله- يقول: إنَّ كلَّ إنسانٍ يتكون من أربع صور: أنا الذي أعرفه، وأنا الذي أجهله، وأنا الذي يعرفه الناس، وأنا الذي يجهله الناس. وكثيرًا ما أنظر إلى السابلة في الطريق فأرى ما وصفه الشاعر وردزورث عندما زار لندن لأول مرة بأنه “volumes of mystery”، أي “مجلدات من الأسرار“. ويقصد بالتعبير أنَّ كلَّ وجهٍ كتابٌ مغلق على ما فيه من أسرار». ما أجمل وصف الناس وما يحملونه بأنهم مجلَّدات من الأسرار!

صريع الغواني

بهذه الهموم، هموم الرزق والعمل وهموم الكتابة، يأتي الهمُّ الثالث: الانشغال بالقراءة. أبحث لها عن وقت وسط كل الالتزامات، وقد ظفرت بمتعة إعادة قراءة سيرة «غبار السنين» لعمر فروخ حتى أكتب مقال الأسبوع عنها، وأخذت أفكر لو كنت أكتب تحت لقبٍ مستعار، تُرى ماذا كنت سأختار؟

وسبب ذلك قصة من مذكرات عمر فروخ يقول فيها: «ولما بدأتُ الكتابة في جريدة “الأحرار” بدأت أيضًا بالكتابة بتوقيعٍ مستعار “صريع” أو “صريع الغواني”، وكان لهذا التوقيع قصة: كان نفرٌ منا في الجامعة الأمريكية: أنا وحافظ جميل وإبراهيم طوقان ونديم بارودي (رحمهم الله) ووجيه بارودي نؤلف “دار الندوة”، نجتمع في الحين بعد الحين فننظم قصائد معًا (وكان اهتمامي بالدروس أكثر من اهتمامهم. من أجل ذلك كان اجتماعي معهم قليلًا). في “دار الندوة” اختار إبراهيم طوقان لقب “العباس بن الأحنف”، واختار حافظ جميل لقب “أبو نواس” (وحافظ جميل من بغداد)، واختار وجيه بارودي لقب “ديك الجن” (وديك الجن أو عبد السلام بن رغبان شاعر من حمص، ووجيه بارودي من حماة)، فلم يبقَ لي من تلك الكوكبة من شعراء العصر العباسي الأول سوى لقب “صريع الغواني” مسلم بن الوليد، أمَّا نديم بارودي فلم يتخذ، في ما أذكر، لقبًا لأنَّه كان يُدوِّن وقائع الجلسات فقط».

الهرب من ظلال السجن

عندما هممتُ بالعودة للكتابة خطر في بالي أن أعرض على السادة القرّاء مقالةً غرّاء عن كتاب «ظلام السجن» للصحفي الكبير محمد علي الطاهر، لكني ارعويت وابتعدت عما يُحزِن القارئ ويُنغِّص عليه مزاجه، رغم أنَّني قرأت الكتاب باستمتاع، لأنَّ سِيَر السجون تعصف بروحي، فهي تفتح في داخلي كل الهواجس المكبوتة، من الغضب على المستبدّين، إلى الشعور بهشاشة الإنسان في الأَسْر، إلى عبثية العقاب على الكلمة. ثم إنَّ القراءة في هذا الأدب تُحيي في قلبي كراهية المتملِّق للمستبدّ، لأنَّه مُعين على ظُلم السجين بالتشجيع والتصفيق وإقرار الواقع والرضا به. وهذا الأدب الشجيّ يذكّرني بعجزي عن نجدة أخي الملهوف في الإنسانية.

وفي هذا النوع من الأدب حُزن يكسو الوجود، فيجعلك تزهد في صغائر الأمور وتفاهات الحياة. ولا أنسى قول معتقل سابق في سجون الملعون الأسد، وقد خرج للنور من سجن صيدنايا في سوريا، في فيلمٍ وثائقي من إشراف صديقي مجد الدين صالح وإنتاج التليفزيون العربي. يقول السجين العائد إلى الحياة: «بصيت هيك على الشمس، يا الله! يا محلى الدنيا!». وفي رواية «تلك العتمة الباهرة» يصوِّر الطاهر بن جلون علاقة السجين بتفاصيل الحياة اليومية قائلًا: «آه من رائحة القهوة الصباحية والخبز المحمص، من دفء الشراشف وامرأة ترتدي ثيابها، من صياح الأولاد في ملعب المدرسة، ومن رقصة الدُّوري في سماءٍ صافية ذات عصر! ما أبسط أشياء الحياة، وما أرعبها حين تغيب إلى الأبد».

استطراد عن الظباء

وعندما أردت الكتابة عن سيرة عمر فروخ، توقفت عند قصةِ تعلُّمه الألمانية عبر فتيات من هانوفر، وأخذت أبحث في «مذكرات عبد الرحمن بدوي» عن قصةٍ مشابهة، فقد تعلَّم بنفس الطريقة، ولما عُدت إلى المذكرات لاحظت أنَّ بدوي الرجل الوجودي، الفيلسوف المنقبض والمنعزل عن الناس، صاحِب الأسلوب الجاف المنكِر فضائلَ أهل عصره، والذي يبدو عليه القرَف فلا تراه باسمًا أبدًا، وحين تنتهي محاضراته ينصرف، لا سلام ولا كلام، وكان مغرمًا بغريب القول وحوشيّ الألفاظ.. كان، ويا للمفارقة، يرقُّ قلمه حينما يتغزَّل وحينما يتذكَّر مغامرات الفتوة والشباب، ويرقص أسلوبه حينما يذكر حكاياته مع نساء هولندا وفرنسا والغيد في إسبانيا، ويمتنّ لحضورهن في حياته.

وقد تأثر ماهر البطوطي بالجمال الإسباني كما حكى في مذكراته الجميلة «الجيل الرائع.. وقائع حياة بين الكتب والفن» وهو يتحسَّس طريقه ليتعرَّف إلى الإسبانيات اللائي يراهُنَّ رائحاتٍ غادياتٍ في صورة من الفتنة والجمال لم يرَها من قبلُ، وقضى الأصائل والأمسيات الأولى يذرع الجرانَ فيها جيئةً وذهابًا يتطلَّع إلى أسراب الجمال المتجمِّع فيها، ويجلس بين الفَينة والفَينة في الكافيتيريات المتناثرة خارجيًّا على الأرصفة، وهو يتذكَّر قول الدكتور بدوي في كتابه «الحور والنور» الذي يصطحبه معه حتى الآن أينما رحل: «وأشهد.. لقد طوَّفتُ ما طوَّفتُ في مغاني الجمال فما عثَرتُ على مثل هذا القَدْر المتجمِّع من الجمال والإغراء… فلم أجد فيها كُلِّها من الجمال عُشْر معشار ما شاهدتُ في جادَّة خوسيه أنطونيو (جران فيا) أو ميدان باب الشمس بمدريد».

ومذكرات بدوي قد أثارت كثيرًا من الضجيج، فكما يقول تلميذه علي فهمي خشيم في كتابه المميز «الذين علموني»: «هي مذكرات ساخطة لعن فيها بدوي الجميع وصبَّ على الرؤوس جامَّ غضبه وحنقه. لم يترك أديبًا عربيًّا ولا مفكرًا ولا سياسيًّا إلا وجرَحه أشد التجريح وقال عنه ما لم يَقُلْه مالكٌ في بنت الحان، كلهم فاسدون، خونة، جهلة، مُدَّعُون، زائفون، سطحيون، تافهون، حُقَراء، مَعِيبُون في أفكارهم وأخلاقهم وعلومهم وسلوكهم وحكمهم وأحكامهم… سوى نَفَرٍ لا يكاد يُعَدّ على أصابع اليد الواحدة، عداه هو فقط ليس غير… الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بدوي».

وأختم بهذه السطور الأربعة التي يراها ماهر البطوطي دُرَّة التاج في أشعار جوستافو أدولفو بِكِر. وقد هام بها غرامًا منذ أن طالعها عام 1970، وكذلك كان شعور زوجته، حتى إنهما كتبا السطر الأخير منها في الأصل الإسباني على خاتم خِطبتهما عام 1976:

«تسألينني ما الشعر

وترشقين عينيكِ الزرقاوين في مُقْلَتيَّ

ما الشعر؟! وأنتِ التي تسألين؟!

ما الشعر إلا أنتِ…».

شارك

مقالات ذات صلة