اقتصاد
كمال عيشة
كانت البرجوازية السورية جزءًا من النسيج الذي تشكَّلت داخله الدولة السورية، وحملت معها تقاليد التجارة والصناعة والتعليم والعمل الوطني، وأسهمت في إنتاج حياةٍ مدنية واسعة في دمشق وحلب وحمص وغيرها من المدن السورية الأخرى.
تعود جذور البرجوازية السورية إلى أواخر العهد العثماني، حين جمعت فئات من الأعيان والأفندية بين ملكية الأراضي والتجارة والوساطة الإدارية والارتباط بالأسواق الإقليمية. اتَّخذت هذه الطبقة أشكالًا مختلفة في المدن السورية؛ ارتبطت دمشق بصورةٍ أكبر بالعقار والحرف والأسواق الداخلية، فيما استفادت حلب من موقعها التجاري وشبكاتها الممتدَّة نحو الأناضول وأوروبا وموانئ المتوسط.
الأهمُّ أنَّ رأس المال السوري نشأ داخل مجتمع مدني يمتلك مؤسسات أهلية وشبكات عائلية وغرف تجارة وعلاقات عابرة للحدود. وأتاح ذلك انتقال بعض التجار من التجارة إلى الصناعة، ومن النشاط الفردي إلى تأسيس شركاتٍ قادرة على تشغيل العمال ودمج التمويل المحلي بالخبرة التقنية. وبعد استقلال سوريا عن الانتداب الفرنسي، ظهرت ملامح رأسمالية وطنية حاولت الجمع بين الربح وبناء قاعدة إنتاجية وطنية واضحة.
أصابت سياسات التأميم في الستينيات البنية التقليدية للبرجوازية السورية، وأعادت توزيع الملكية ومراكز النفوذ بصورة واسعة. ولا يمكن اختزال تلك المرحلة في صراعٍ بسيط بين الدولة والتجار؛ لأنَّها ارتبطت أيضًا باعتبارات العدالة الاجتماعية وهيمنة كبار الملَّاك والحاجة إلى توسيع دور الدولة في الاقتصاد. غير أنَّ النتيجة العملية تمثَّلت في إضعاف القطاع الخاص المنظم، وتراجع الثقة بالملكية، وهجرة جزء من رؤوس الأموال والخبرات.
دخلت سوريا بعد سقوط النظام مرحلةً سياسية مختلفة، فيما بقي الاقتصاد مثقلًا بآثار الحرب وتدمير البنية التحتية وضعف الخدمات واختلال النظام المصرفي. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أنَّ كلفة إعادة إعمار سوريا تبلغ نحو 216 مليار دولار، فيما لا يزال التعافي الاقتصادي أوليًّا وحذرًا ويحتاج إلى تمويل وإصلاحات واسعة.
هذه الاحتياجات أكبر من قدرة الدولة وحدها، وأكبر من قدرة المساعدات الخارجية على تمويلها. وستحتاج سوريا إلى رأس مالٍ محلي، واستثمارات من السوريين في الخارج، وشراكات إقليمية، وتمويل مؤسسات دولية، ضمن قواعد شفَّافة تمنع تحوُّل إعادة الإعمار إلى سوق للامتيازات.
غير أنَّ جذب رأس المال لا يتحقق بمجرَّد إصدار قوانين استثمار أو عقد مؤتمرات اقتصادية. المستثمر يحتاج إلى قضاء يمكن الوثوق به، ومصرف قادر على العمل، وسجل عقاري واضح، وإدارة عامة شفافة، وبيئة أمنية تحمي العامل والمصنع والأراضي الزراعية. لذلك يبدأ إصلاح الاقتصاد السوري من إصلاح الدولة نفسها وقوانينها الناظمة العامة.
توسيع قاعدة البرجوازية السورية تعني خلق بيئةٍ جديدة تسمح بظهور أصحاب مشاريع ومالكين ومستثمرين من أوساط اجتماعية أوسع ومن الطبقة المتوسطة تحديداً: صناعيين صغارًا، وتجارًا، ورواد أعمال، ومزارعين حديثين، وشركات عائلية قابلة للنمو، وأصحاب مشاريع تقنية وخدمية.
لا يكفي الحديث عن تشجيع الاستثمار لتحقيق ذلك. المطلوب تسهيل الدخول إلى السوق عبر تبسيط الترخيص، وحماية الملكية، ومكافحة الاحتكار، وتسهيل الائتمان، وضمان تنفيذ العقود وتسوية النزاعات. حين تصبح البداية ممكنة لأصحاب رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة، تتسع قاعدة التملك الاقتصادي وتتراجع هيمنة المحسوبية والاحتكار.
كما يحتاج الأمر إلى نقل مركز الثقل من المضاربة إلى الإنتاج: الصناعة الخفيفة، والزراعة الحديثة، والصناعات الغذائية، والخدمات التصديرية، والتكنولوجيا، والنقل، والطاقة. فكلُّ قطاعٍ منتج قادر على خلق مالكين جدد، وفرص عمل، وشبكات توريد، وطبقة أوسع من المدخرين والمستثمرين والمهنيين.
وهنا أيضاً تظهر أهمية السوريين في الخارج. المغترب السوري يحمل خبرة سوق وشبكات أعمال وقدرة على الوصول إلى التمويل. ويمكن أن تبدأ العودة عبر شراكات وتمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ونقل التكنولوجيا، ثمَّ تتوسَّع مع تحسن الثقة. قد تعود البرجوازية السورية شريكًا في بناء الدولة إذا تغيَّرت طبيعة العلاقة بين رأس المال والسلطة. العودة المطلوبة هي ولادة طبقة أعمال وطنية جديدة تضمُّ أصحاب الخبرة القديمة، ورجال أعمال الشتات، والصناعيين المحليين، وأصحاب المشاريع الصغيرة والمبتكرين، وتعمل داخل مؤسَّسات قانونية قابلة للمساءلة.
