مجتمع
أحمد الياماني
لم تبدأ قصَّة “حملة الشيخ الذهبي” من قرار وزارة الأوقاف بمنع فعاليَّة في دمشق، بل بدأت قبل ذلك بكثير، مع ظهور حملة يقودها المصري هاني دهب، المعروف باسم “الشيخ الذهبي”، لتوزيع ما تسميه “اللباس الشرعي” وتشجيع النساء والفتيات على ارتداء النقاب والخمار. وبحسب ما نُشر عن صاحب الحملة، فإنَّ هاني دهب مصري الجنسية، وقد توسعت أنشطة حملته في عددٍ من المحافظات والجامعات السورية، ونشرت حساباته صورًا ومقاطع لفعاليات نسائية تحت اسم الحملة.
المشكلة هنا ليست في النقاب، ولا في حق امرأة سورية في ارتدائه. النقاب معروف في المجتمع السوري، وله حضور تاريخي، كما أنَّ الحجاب بأشكاله المختلفة جزء من التنوع الديني والاجتماعي في سوريا. وليس من الإنصاف تحويل النقاب إلى مشكلةٍ بحدِّ ذاته، أو تصوير كلِّ من ترتديه باعتبارها جزءًا من مشروع أيديولوجي. لكنَّ المشكلة تبدأ عندما يتحوَّل خيارٌ ديني مشروع إلى حملةٍ تحمل اسم شخصٍ بعينه، وتُقدَّم من خلالها صورة واحدة باعتبارها “اللباس الشرعي”، وكأنَّ ما عداها أقلُّ شرعية أو أقلُّ ستراً أو أقلُّ تديناً. وهنا يصبح من الضروري التمييز بين الدعوة إلى الحجاب وبين تقديم نموذج محدَّد للحجاب بوصفه النموذج الشرعي الوحيد.
فالفقه الإسلامي نفسه عرف اختلافاً واسعاً في مسائل لباس المرأة، ومنها مسألة تغطية الوجه وكشفه، ولم يكن هناك اتفاقٌ تاريخي على لونٍ واحد للحجاب أو شكلٍ واحد للثياب. لذلك فإنَّ القول إنَّ النقاب حجاب شرعي أمر، وتحويل نمط محدَّد من النقاب إلى “الحجاب الشرعي” وكأنَّ بقية الأشكال ليست شرعية أمر آخر تمامًا.
والأغرب أنَّ الحملة، بحسب ما يظهر في موادها المنشورة، لا تكتفي بتوزيع الملابس، بل تجعل اسم “الذهبي” حاضرًا في الصور والمشاهد التي تُلتقط للنساء المشاركات. وهنا تتحوَّل الدعوة تدريجيًّا من فعلٍ ديني إلى ظاهرةٍ إعلامية لها اسم وشخصية مركزية وصورة عامة يجري تسويقها على نطاقٍ واسع.
وهذا يقودنا إلى حادثةٍ منع الفعالية في دمشق. بحسب الرواية المتداولة حول اللقاء مع وزارة الأوقاف، لم يكن اعتراض الوزارة على أصل النقاب، وإنَّما على طريقة تنظيم الحملة وطبيعة النشاط المقترح، وعلى عدم وضوح الجهة المشرفة عليها. فوزارة الأوقاف، بوصفها الجهة المعنية بالأنشطة الدعوية، طلبت أن يكون النشاط ضمن إطار دعوي واضح ومنظم، وأن يتم التواصل مع المسؤول المباشر عن الحملة.
وهنا تظهر نقطةٌ جوهرية: المسؤول الأساسي عن الحملة هو هاني دهب، وهو شخصٌ موجود خارج سوريا بحسب الروايات المنشورة، بينما النشاط يجري داخل سوريا ويحمل اسمه بشكلٍ مباشر. وهذه ليست مسألةً تفصيلية عندما يتعلَّق الأمر بحملةٍ واسعة تجمع التبرُّعات وتوزِّع الملابس وتنظِّم فعاليات عامة. فالعمل الدعوي الأهلي يمكن أن يكون مشروعًا ومحترمًا، لكن اتِّساع النشاط يفرض قدرًا أكبر من الشفافية: من المسؤول؟ من يموِّل؟ كيف تُجمع الأموال؟ كيف توزَّع؟ ومن يتحمَّل المسؤولية القانونية والإدارية عن النشاط على الأرض؟
وقد توسَّع الجدل عندما وصلت أنشطة الحملة إلى الجامعات السورية. ففي حزيران/يونيو 2026، أصدرت جامعة دمشق بيانًا أكَّدت فيه منع إقامة أيِّ نشاطٍ أو فعالية داخل الحرم الجامعي من دون الحصول على الموافقات الرسمية والأصولية، وذلك عقب انتشار مقاطع عن نشاطٍ مرتبط بحملة “الشيخ الذهبي للباس الشرعي” داخل كلية الطب. هذه الواقعة تكشف شيئًا مهمًّا: الدولة لا تستطيع أن تترك المؤسسات العامة مفتوحة لأيِّ نشاطٍ لمجرَّد أنَّه يحمل عنوانًا دينيًّا. الجامعة ليست مسجدًا، والحرم الجامعي ليس ساحة دعوية مفتوحة، بل فضاء عام يضمُّ طالبات وطلابًا من خلفياتٍ واتجاهات مختلفة. لذلك فإنَّ تنظيم النشاط داخلها يحتاج إلى قواعد واضحة تنطبق على الجميع، سواء كان النشاط دينيًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو غير ذلك.
لكن ما حدث بعد منع الفعالية في دمشق كان أكثر دلالة من قرار المنع نفسه. بدل أن يبقى النقاش في حدودٍ قانونية وإدارية واضحة، انتقل جزءٌ منه إلى حملةٍ واسعة ضدَّ وزارة الأوقاف، وبالأخص ضدَّ معاون وزير الأوقاف الشيخ سامر بيرقدار، مع اتهاماتٍ بأنَّه يعارض النقاب أو يرى أنَّ هذا النمط من اللباس لا يناسب المجتمع الشامي. وهنا ينبغي الحذر.
ليس من العدل أن يتحوَّل خلافٌ إداري حول نشاطٍ إلى اتهامٍ ديني أو شخصي. وإذا كان اعتراض الوزارة متعلِّقًا بتنظيم الحملة وآلية عملها، فلا ينبغي إعادة تقديمه للجمهور على أنّه حربٌ على النقاب أو على التديٌّن. وفي المقابل، فإنَّ أيَّ جهةِّ رسمية مطالبة أيضًا بأن تكون قراراتها واضحة ومعلنة، حتى لا تترك المجال مفتوحًا للروايات المتضاربة والتعبئة على وسائل التواصل الاجتماعي.
المفارقة أنَّ حملةً تقدِّم نفسها بوصفها حملة للحجاب والستر يفترض أن تكون أكثر ابتعادًا عن الاستعراض والمناكفة. فالستر في جوهره ليس مجرَّد قطعة قماش، وإنَّما معنى يرتبط بالحياء والهدوء وعدم تحويل التديُّن إلى وسيلةٍ للشهرة الشخصية. ولا يبدو منسجمًا مع هذا المعنى أن تتحوَّل صور المنقبات في المولات والجامعات والأسواق إلى مادةٍ دعائية متكرِّرة تحمل اسم رجل موجود خارج البلاد، بحيث يصبح اسم صاحب الحملة حاضرًا في المشهد بقدر حضور الدعوة نفسها.
ولا يعني هذا أنَّ النقاب استعراض بطبيعته، ولا أنّ كلَّ امرأة تظهر في حملةٍ كهذه تبحث عن الشهرة. المقصود هو نقد طريقة إدارة الخطاب الدعوي وتسويقه، لا نقد النساء اللواتي اخترن النقاب. هناك فرقٌ كبير بين أن تساعد امرأة على ارتداء النقاب لأنَّها اختارته، وبين أن تُشعر امرأة أخرى بأنَّ حجابها الذي اعتاد عليه أهل بلدها ناقص أو غير شرعي لأنَّها لم ترتدِ النموذج الذي تروجِّه الحملة.
وسوريا، خصوصًا دمشق، لا تحتاج إلى استيراد شكلٍ واحد من التديُّن حتى تثبت تدينها. للبلاد تاريخٌ طويل من التديُّن الشعبي والعلمي، ومن التنوُّع في المذاهب والعادات والأزياء، وكان الحجاب موجودًا بأشكالٍ متعددة قبل أن تظهر الحملات الرقمية الحديثة.
المشكلة الحقيقية ليست أن تأتي دعوة من خارج سوريا، فالدين ليس ملكًا لجغرافيا محدَّدة، وإنَّما المشكلة عندما يأتي شخص من خارج البلاد ليبني حملة واسعة داخل المجتمع، ويضع اسمه في مركزها، ويدير نشاطها من الخارج، بينما تبقى مصادر تمويلها وآليات إدارتها ومسؤولياتها المحلية غير واضحة بما يكفي. وهنا تصبح مسؤولية وزارة الأوقاف مفهومة: ليس مطلوبًا منها أن تحارب النقاب، بل أن تنظِّم الخطاب الديني العام، وأن تعرف من يعمل في المجال الدعوي، وتحت أيِّ إطار، وبأيِّ تمويل، وبأيِّ مسؤولية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحوَّل الوزارة إلى جهةٍ تفرض على المجتمع شكلًا واحدًا من التديُّن أو اللباس. المطلوب هو التنظيم لا الوصاية، وحماية الحريات لا مصادرتها. لذلك فإنَّ الوقوف إلى جانب وزارة الأوقاف في هذه القضية لا يعني الوقوف ضدَّ النقاب، كما أنَّ انتقاد طريقة عمل حملة الذهبي لا يعني انتقاد الحجاب.
القضية أبسط وأعمق من ذلك: من حقِّ السوريين أن يتديَّنوا، ومن حقِّ النساء أن يخترن لباسهن، ومن حقِّ المجتمع أن يعرف من يقود الحملات التي تعمل داخله، ومن حقِّ الدولة أن تطلب الترخيص والتنظيم والشفافية. أمَّا تحويل كلِّ قرارٍ تنظيمي إلى معركة ضدَّ الإسلام، ثمَّ تحويل كلِّ اعتراضٍ على حملةٍ إلى معركةٍ ضدَّ النقاب، فهو تبسيطٌ يضرُّ بالجميع.
والأهمُّ أنَّ سوريا الخارجة من عقودٍ طويلة من الاستبداد تحتاج اليوم إلى خطابٍ ديني أكثر هدوءًا، لا أكثر صدامًا؛ وإلى دعوةٍ تُقنع بالأخلاق قبل الصورة، وبالقدوة قبل الاستعراض، وبالستر قبل الشهرة. فإن كان هناك شيءٌ دخيل فعلًا على روح المجتمع الشامي، فليس الحجاب ولا النقاب، وإنَّما أن تتحوَّل الدعوة إلى منافسةٍ على الظهور، وأن يصبح الخلاف الديني سببًا للقذف والتشهير، وأن يُختزل الديُّن في شكلٍ واحد، ويُختزل التديُّن في اسم شخص.
النقاب حجاب شرعي، نعم. والحجاب بأشكاله المنضبطة شرعي كذلك.
أمَّا تحويل نمطٍ واحد إلى “الحجاب الشرعي” الوحيد، وتحويل حملةٍ تحمل اسم شخص إلى مرجعيةٍ دينية عابرة للحدود، فهذه مسألةٌ أخرى تمامًا. ومن هنا، فإنَّ منع فعالية لا ينبغي أن يتحوَّل إلى حربٍ على الدين، كما أنَّ حماية العمل الدعوي لا ينبغي أن تعني إعفاءه من التنظيم والشفافية والمساءلة. سوريا تحتاج إلى دينٍ يحضر في المجتمع بالرحمة والعلم والخلق، وإلى دولةٍ تعرف حدود سلطتها، وإلى مجتمعٍ لا يخاف من اختلافه.