سياسة

بين دمشق وأربيل فرصة تاريخية

أغسطس 3, 2026

بين دمشق وأربيل فرصة تاريخية

شفان إبراهيم

يحلُّ الرئيس نيجرفان البارزاني رئيس إقليم كوردستان العراق، ضيفاً على الرئيس أحمد الشرع. في زيارةٍ تتجاوز الجوانب البروتوكولية. وقبل الخوض في هذا الحدث الذي سيُغيِّر الكثير من طبيعة العلاقة بين الكورد السوريين مع دولتهم، ومشاركتهم في مفاصل الدولة، كواجب وحقوق. قبل كلِّ ذلك تعود الذاكرة الكوردية 63 سنة للخلف.

ففي أيلول/ سبتمبر عام 1963، أرسل النظام البعثي السوري إلى كوردستان العراق، لوائي بردا واليرموك، بقيادة اللواء فهد الشاعر، لقتال البرزانيين والتصدي لهم في ثورتهم ضدَّ ظلم عبد السلام عارف، الرئيس العراقي آنذاك. وحين ذاك كانت الثورة بقيادة الأب الروحي للشعب الكردي المُلا مصطفى البارزاني، وبعد عقودٍ من القطعية والأزمات التي تسبَّب بها النظام السابق مع الإقليم، ورفضه للحقوق الكردية في العراق، في لوحةٍ غريبة وعجيبة، نظام سوري، يرفض حقوق مكوِّن في دولةٍ أخرى. بعد كلِّ ذلك، يأتي حفيد البارزاني، السيد نيجرفان، ليُجسِّد لوحةً جديدة للعلاقات بين سوريا وكردستان العراق، ويضع حدًّا لكلِّ أشكال التوتُّرات والصراعات التي تسعى العديد من الأطراف للظفر بها.

هذه الزيارة تدفعني لتذكير السوريين، حول حجم الضغوط التي تحمَّلها إقليم كردستان، نتيجة رفض الرئيس مسعود البارزاني، الاصطفاف لجانب القاتل الهارب بشار الأسد، ورفض العديد من الدعوات لزيارة دمشق كرئيس إقليم، ورفض استقبال مسؤولين رفيعي المستوى. وخلال الأعوام التي سبقت الثورة السورية، كان النظام السوري يرفض استقبال رئيس الإقليم أنذك، الرئيس مسعود البارزاني، بصفته رئيساً للإقليم، ومع اندلاع الثورة السورية، كرَّرت رئاسة النظام السابق، الدعوة لاستقبال السيد البارزاني كرئيسٍ للإقليم، لكنَّ الردَّ جاء حازماً: فات الوقت، ولا اصطفاف معكم.

اليوم يحمل البارزانيون مع الشرع، مفتاح العلاقات الجديدة، من حيث تبادل الزيارات، ثمَّ فتح القنصليات، وقبل كلِّ شيء فتح قنوات التواصل بين الطرفين وفق ترتيبات جديدة، تتناسب والتغيرات التي تعصف بالشرق الأوسط، ومؤكداً، سيؤكد الرئيس البارزاني على وحدة واستقرار الأراضي السورية، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والأمن.

حيث تشترك الجغرافيا بين الطرفين بحدودٍ طويلة، كما توجد مناطق حدودية بين سوريا والعراق عبر حدود إقليم كردستان. والمتوقَّع أن يتمَّ التطرُّق للحديث حول اتفاقية قسد والحكومة السورية، والوضع السياسي للقضية الكردية في سوريا، والدور الأساسي الذي لعبه الرئيس مسعود البارزاني في وأد الفتنة بين الكرد والعرب والذي سعت إليه جهات، لا ترغب الخير للكرد ولكلِّ السوريين.

وفي الجانب الكوردستاني، من المؤكَّد أن يشكر الرئيس أحمد الشرع حكومة وقيادة إقليم كردستان، على ما قدموه للثورة السورية،واستقبالهم لمئات الآلاف من السوريين الفارين من الحرب، كورداً وعربًا.

بالمقابل، غالباً ما سيسعى الرئيس الكوردستاني على تفكيك الاستعصاء الحاصل بين موقف دمشق وبغداد، خاصة بعد نجاحه في تخفيف التوتُّرات بين انقرة وبغداد، وكلُّ ذلك عبر الدبلوماسية والحوار.

تنطلق العلاقات الجديدة من بُعدٍ إقليمي واضح، فالاستقرار في سوريا، يرتبط مباشرة بأمن العراق وإقليم كوردستان العراق، لهذا فإنَّ التنسيق بين الطرفين، ذا مصلحة مشتركة. خاصة وأنَّ الشرق الأوسط، ماعاد يُدار بمنطق الصراعات المستمرة. المعادلات الجديدة واضحة، تقاطع مصالح وتنمية وتبادل تجاري واستقرار. ورغم اختلاف الخلفيات وطريقة التفكير في الكثير من القضايا، فإنَّ الأولويات مشتركة، من حيث الحفاظ على الدولة، وترسيخ الامن والاستقرار، والتفكير البراغماتي على الشعارات.

يمكن للعلاقة بين كوردستان العراق وسوريا أن تدخل مرحلة ونموذجاً جديداً، أكثر رسوخاً وانفتاحاً سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا، وإنشاء شبكة مصالح متينة تتجاوز من يسعى لخلق الصراع بين الرئيس الشرع والكورد. أي الانتقال من التفاهمات العامة، إلى ملفاتٍ عملية. ونجاح العلاقات سيمنح سوريا بُعداً جديداً في تعاطيه مع القضية الكوردية، وسيمنح كوردستان العراق مساحةً جديدة للحوار ضمن إطار الدولة، بدلًا من بقائها رهينة الصراع.

يحتاج الكورد في العراق وتركيا، مع الكورد في سوريا، والسوريين عموماً إلى تحالف جديد، بعيداً عن التحالفات العسكرية التقليدية، تقوم بالمقام الأول على تقاطع مصالح الأمن والتنمية، وإعادة البناء لمؤسسات الدولة، وبل يمكن أن تشهد المنطقة دورة اقتصادية متكاملة في القريب العاجل. عدا أنَّ سوريا بكوردها وعربها، والعراق وكوردستان العراق، تحت التهديد والضغط والقصف الإيراني. استمرار وتطوير العلاقات بين كوردستان العراق وسوريا، سيقود إلى نموذج إقليمي جديد، يتحوَّل الاستقرار إلى مصلحة مشتركة، وليس مجرَّد هدنةٍ مؤقتة.

هذه الزيارة، تُلجم الكثير من الأفواه التي “ناضلت” في بحر خطاب الكراهية والعنصرية؛ لجرِّ الكورد والعرب إلى مستنقع الصراع والمواجهات.

شارك

مقالات ذات صلة