أدب

الرؤية السياسية من عتمة الأعمى إلى زرقاء اليمامة

يونيو 18, 2026

الرؤية السياسية من عتمة الأعمى إلى زرقاء اليمامة

كمال عيشة

يا قومِ إني أرى الشَّجَر قد أقبل إليكم، فخذوا حِذركم، قالوا كذبتِ، وَهَنَ عقلُكِ وذهب بصرُكِ. نحن في مأمنٍ من كيدِ العِدا، لا يُفزعنا وهمُ امرأةٍ غاب عنها رشدُها وانطفت بصيرتُها، وما هذا الذي تزعمين إلا سراب ضللتِ به.. إلى أن صَبَّحَتْهُمُ الخيلُ وأغارت عليهم، ليتركوا خلفهم دياراً خاويةً على عروشها، لا ينطق فيها إلا صدى العويل.

يتدرّج الناس في دهاليز الرؤية السياسية وقراءة الأحداث من عَتمة الأعمى إلى معجزة اليمامة، التي كانت تُبصر الشَّعرة البيضاء في اللّبَن، وتُنذر قومها، إذا الجيوش غزتهم، فلا يأتيهم جيشٌ إلا وقد استعدّوا له وانتصروا عليه. لكن الإنسان يميل إلى تصديق ما يُطمئنه أكثر من ميله لتصديق ما يُنذره، وهنا يكمن مقتلُه؛ فرداً كان أم أمةً. والعاقل من أبصر العواقب بقلبه قبل أن تبصرها عيناه، فما بالك بمن يبصرها بعينيه وقلبه!..

دائماً ما تسبقُ التَّحوُّلات الكبرى والعواصف السياسية أشجاراً تسير في الأُفق، يراها القِلَّة بوصفها نذيراً، وتغفل عنها الكَثْرة، فضلاً عن تكذيبها وإنكارها لها.

وفي السياسة كما في الحياة، ميدانٌ للبصائر أيضاً؛ هناك أعمى وأعشى، ثم ذو بصر، وزرقاء يمامة. فالدُّوَل، كالأفراد، تتفاوت في قدرتها على الإبصار بعين العقل. فكم من دولة سارت في دروب العمى السياسي، لا ترى إلا ما يوافق هواها، أو ما تُمليه عليها أوهامها. دائماً ما يقول صُنَّاعُ سياستِها: أن هذي مشيئة الله، والمكتوب على الجبين تراه العين. هي دولةٌ عمياء، ترفض أن ترى الحقائق المرة، وتغضّ الطَّرْف عن التَّحدِّيات المتراكمة، وتُسكِت كل صوت يُنذر بالخطر. تستسلم للقدر المزعوم دون سعي أو اجتهاد، تجعل من المؤامرة شماعةً تُعلِّق عليها عجزها البُنيوي، وخياراتها الخاطئة. تُحوِّل التَّواكُل إلى عقيدة سياسية، وتتعامل مع حركة التاريخ بوصفها غيباً يُنتظر، لا واقعاً يُصنَع، غافلةً عن الحقيقة الأزلية بأنّ السُّنن الكونية لا تحابي الغافلين، والتاريخ يخبرنا أنّ هذا العمى لا يقود إلا إلى الهاوية، وأنّ المكتوب على الجبين، ليس سوى صنيعة أيدينا حين تغيب البصيرة وتضيع الإرادة.

وبعض الدُّوَل تُبصر الأزمات بمنظارٍ ضبابيّ، كالأعشى حين يحلّ الظَّلام؛ فلا الرؤية تسعفها لتدبير المخرج، ولا العقل يرشدها لتجنّب السُّقوط. قاصرةٌ نظرتُها على المدى القريب. تعجز عن فهم الأبعاد السياسية العميقة وتداعياتها البعيدة، تختزل دورها في ردود أفعالٍ آنية لا تصنع نفوذاً، ولا تضمن تموّضعاً آمناً في خارطة التَّوازنات الدولية المتغيّرة، تلك الدُّوَل قد تنجو من السُّقوط المُدوِّي، لكنها تستمرّ بالتَّخبُّط في دائرة الأزمات المتكرّرة، عاجزة عن تحقيق قفزات نوعية نحو الازدهار المستدام؛ الأمر الذي يُحوِّلها من فَوَاعِل سياسية تصنع الحدث، إلى ساحات نفوذ تُدير فيها القوى الكبرى صراعاتها بالوكالة.

وهناك دولٌ ينفذ بصرها إلى ما وراء ظاهر الأحداث، تدرك التَّرابُط بين المتغيِّرات، وتستشرف النتائج المحتملة لكل حدث يَطْرأ فيها وحولها، تبني استراتيجياتها على فهم شامل للواقع، وتخطط للمستقبل بخطوات ثابتة ومدروسة، ولا تغفل عن الاستثمار في عقول أبنائها وخِبراتهم. هي دولةٌ تحرص على أن تصنع لنفسها مكانة مرموقة بين الأمم؛ لأنها تُدرك أنّ الأمن القومي فضلاً عن القوة العسكرية يُصَان بشبكة متوازنة من العلاقات والمصالح المتبادلة والقدرة على قراءة التَّحوُّلات الدولية قبل وقوعها. فهي تعرف متى تفاوض ومتى تحارب، ومتى تستثمر في الشَّراكات ومتى تَتَحوَّط من مخاطرها.

يقال أنه أبصرُ من زرقاء اليمامة. تلك الدُّوَل ترى ما لا يراه الآخرون من مسافات زمنية بعيدة، تستشعر رياح التَّغيير قبل أن تَهبَّ، وتتنبّأ بالتَّحوُّلات الكبرى قبل أن تتشكّل ملامحها. هي التي تمتلك بصيرة نافذة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، تضع خططاً لأجيال قادمة، مستفيدةً من دروس التاريخ ومستشرفةً آفاق المستقبل. تنقل نفسها من مربع الانصياع لمُعادلات القوى الكبرى إلى نادي النُّخْبة، الذي يُصِيغ قواعد النظام الدولي، ويحدد اتِّجاهات الاقتصاد العالمي، مما يمنحها حصانة سيادية تجعلها لاعباً عصياً على التَّجاوُز أو التَّهميش. مدركةً أنّ القوة الناعمة والدبلوماسية لا تحمي نفسها إن لم تَسْنُدها أنيابٌ ومخالب، فتتحرك في محيطها الإقليمي ببراغماتية حذرة، تمزج فيها بين التَّرغيب والتَّرهيب، ولا تتوانى عن استخدام أدوات الضَّغْط الاقتصادي أو الاستخباراتي لِتَحْيِيد مكامن الخطر قبل استفحالها.

إنّ مصير الأمم يعتمد على قدرة قياداتها على الإبصار والإصغاء لأصوات الحكمة. إنها دعوة لكل فاعل سياسي، ولكل أمة، أن تتجاوز حدود الرؤية القاصرة، وأن تسعى لأن تكون يمامة زمانها، تستشرف البناء والفرص، تُحذِّر من المخاطر والقلاقل، وتُقَاد بحكمة وبصيرة نحو غدٍ أفضل.

لكن كم من بصيرةٍ أنذرت، وكم من عينٍ أبصرت، ثم ضاعت الحقيقة بين شك المتردِّدين وغفلة الغافلين، إذ كانت مأساة الزَّرقاء أنها رأت مبكراً أكثر مما يحتملُ قومها أن يَرَوْا. فالدولة التي تبلغ هذه المرتبة من البصيرة، قد تواجه تحدّي الإقناع برؤاها، وهنا تبرز حتمية الالتفاف الشَّعبي والنُّخْبوي حول هذه البصيرة، حيث لا قيمة لرؤية الزَّرقاء، إن ظل قومها في غفلتهم يَعْمَهُون، إنّ حماية الدولة تقتضي أن يَتَنَادَى المفكرون والفاعلون لترجمة هذه الرُّؤى إلى وعيٍ جمعي، بالتوازي مع التزام القيادة بفتح قنوات الإنصات لأصوات الحكمة من حولها؛ لأنّ البصيرة ليست احتكاراً فردياً، إنما نتاج تَعَاضُدٍ وتَكَاتُفٍ عضوي يدمج حدة عين القيادة، بثقل عقل النُّخْبة مع عزيمة الشَّعْب. إنّ هذا التَّكَاتُف المتين يشكل القوة الخشنة التي تحمي أحلام الدولة ومشاريعها المستدامة، ويمنحها غطاءً شرعياً يحميها من التَّشكيك والإضرابات، ويشكل الضَّمانة الحقيقية والتِّريَاق الوحيد لعدم تكرار مأساة اليمامة.

شارك

مقالات ذات صلة