آراء

أينَ تُزهر؟

يونيو 17, 2026

أينَ تُزهر؟

رأيتُ صورةً لشهيدٍ فلسطينيّ صبَّ الاحتلال فوق جسده الخرسانة المسلّحة، فدفنه في قالبٍ أسمنتيّ، ظلَّ حذاؤه بارزاً في الأسفل، ليدلّ على مدى وحشية هذا الاحتلال الظالم.
آلمتني الصورة للغاية، وشعرتُ في لحظةٍ مرعبة، كم أنّ التّراب حنون!
لم أكن أعرف هذا، ولكن الضدّ بالضدّ يُعْرَف، لماذا اختار اللّه عزّ وجلّ الدفن للإنسان عند موته بالتراب، لأنّ الأشياء بطبيعتها تحنُّ لأصلها، ولأنّ هذا الجسد من ترابٍ فحين يعود إليه يكون عَوداً لطيفا محبَّباً، فأنتَ تعود إلى المكوّن الرئيسيّ في خلقك، فتحقق بدفنك فيه انسجاماً عالياً وذلك من حنان اللّه ورحمته بنا أنْ جعل لكلِّ شيءٍ أصلاً يكون منه ويعود إليه.
فتؤلمني مشاهد حرق الجثث وإلقائها أحياناً في الأنهر، حتّى أنّهم يحرمون الجسد من انسجامه الأخير.
وحين أتأمّل في الطبيعة تدهشني دائما قدرة اللّه عزّ وجلّ وجماليته في التفاصيل، جعل الغيوم من في السماء، ولكنّها حين تحمل الماء تمطر فتعود إلى الأرض، وهذه الحالة الوحيدة التي يمكن لها أن تعود فيها إلى الأرض ( عبر الماء)، وذلك أنّه العنصر الأنسب للامتزاج بالأرض، ودون ذلك فلا يمكن أن تكون سوى في السماء.
حتى أنّ اللّه عزّ وجلّ يبدِّل الأشياء ويجعلها تدخل في حالاتٍ مختلفة لتتناسب في الطبيعة، لا يمكن لوردةٍ أن تنبت في الصحراء، رمال الصحراء غير مناسبة لساقها وبذرتها، والكثير من الأشجار الأخرى أيضاً، فلكلّ مَعلمٍ جغرافيٍّ نباتاتٌ معينة تنبت فيه، نباتات جبلية، صحراوية، سهلية، وكذلك الحيوانات، فإذا كان هذا على سبيل النبات والحيوان غير العاقل، فكيف يكون بالإنسان العاقل؟
إنّ الانسجام مكوّن رئيسي ليزهر الإنسان ويصبح بنّاءً، فحين يكون الإنسان في بيئةٍ لا تشبهه أو مع أناسٍ لا يشبهونه فإنّ ذلك ابتلاءٌ شديد، يعيق تطوُّره بشكل امتدادي، ولكنه لا يعيق تطوُّره بشكل ذاتيّ
أتذكّر في هذا سيدي سلمان الفارسي والذي كان ينتمي لعائلةٍ مجوسية، هرب ذات يومٍ إلى الكنيسة، ثمّ هرب عبر قافلةٍ إلى الشام، ثمّ ألقى بنفسه لقافلةٍ متجهة للمدينة المنورة؛ لأنّ أحد الرهبان قال له بأنّ هنالك آخر الأنبياء، ثمّ التقى سيدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فكان مستشاراً له وحظي بما لم يحظ به صحابي آخر حينما قال له النّبي صلّى اللّه عليه وسلم: “سلمان منّا آل البيت”
الحقيقة أستدعي هذا المشهد، لأنّ سلمان لم يكن سلمان في بيئته، ولم يستطع أن يكون هوَ حقيقةً إلا بين يدي سيدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأزهر وأنبت نباتاً حسناً.
على المرء دائماً أن يبحث عن انتمائه الحقيقيّ الباطنيّ، أمّا انتماؤك الظاهري المعروف فهذا أمره محسوم من جنسيةٍ وموطن وعائلة، لكن من أنت؟، أين مكوّنك الأصلي، أين تحقّق انسجامك، وأين تلك التربة التي حتّى لو دفنوك بها أزهرت، يجب أن تدرك ماهية هذه الأسئلة وتتبصّر فيها، لتعرف يقيناً هوّيتك الحقيقيّة.
وصلّى الله على سيدنا محمد نور الكمالات العلية، وروح النفحات القدسية، وملهم الأرواح العندية، وعلى آله وصحبه وسلّم.

شارك

مقالات ذات صلة