آراء
منذ أن نشأتُ وجيلي ونحن نرى التاريخ يتنفّس عبر الشاشة ويتجسّد أمام أعيننا بعد أن قرأناه في الكتب و المجلدات، ومتأثرين بعبقريّة الثنائي حاتم علي ووليد سيف اللذين صاغا موروثاً درامياً عربياً لا يُنسى، فكان من الطبيعي أن نترقّب تلك القفزة الكبرى التي أحدثتها الدراما التاريخية التركية في السنوات الأخيرة. فبعد رحيل المخرج الكبير حاتم علي -رحمه الله- شهدت السّاحة الدّرامية العربية أفولاً حاداً وانكفاءً محزناً في إنتاج المسلسلات التاريخية النخبوية؛ حيث غابت تلك الروائع التي كانت تجمع بين الرصانة اللغوية والعمق الفكري مثل “التغريبة الفلسطينية” وثلاثية الأندلس وصلاح الدين و “مسلسل عمر”، تاركةً خلفها فراغاً إنتاجيًّا ومعرفيًّا هائلاً، وعجزاً عربيًّا عن تقديم الهوية التاريخيّة بأسلوبٍ يواكب العصر، ممّا جعل الساحة الفنيّة مشرعة الأبواب أمام التجارب التي لم تثمر عن كبير تأثير.
وفي ظلّ هذا الفراغ العربي، كانت الدراما التاريخية التركية قاب قوسين أو أدنى من تشكيل وعي جماعي جديد لجيلٍ كامل من الأتراك والعرب المهتمين بالتداخل التاريخي المشترك، ومحاولة فهم إرث الفترة العثمانية برؤية معاصرة، وجاءت بداية طفرة المنتج “محمد بوزداغ” من خلال مسلسل “قيامة أرطغرل” كمثالٍ صارخ للتجديد، وتقديم ملحمة بصرية قادرة على جذب الجماهير وإعادة إحياء الذاكرة الجمعية للتاريخ العثماني، لكن النجاح الساحق لأرطغرل تحوّل إلى فشلٍ إذ سرعان ما سقطت أعمال بوزداغ اللاحقة، ومعه طيف واسع من الدراما التركية التاريخية، في فخ التكرار النّمطي، والوقوع تحت مقصلة “الرايتنج” ونسب المشاهدة الأسبوعية، ففقدت هذه الدراما التاريخية بوصلتها الفكريّة، وغرقت في استنساخ المعارك المفتعلة، والمؤامرات المكرّرة داخل القصر أو خارجه، مبتعدة تماماً عن العمق الفلسفي والتّاريخي الذي يبحث عنه المشاهد الملتزم بصناعة الوعي مع شيءٍ من المتعة.
إلا أنّه في الفترة الأخيرة، وتحديداً مع مسلسل “الفاتح: سلطان الفتوحات”، شهدت فيه شخصيًّا تحوُّلاً لافتاً أعاد للمشهد هيبته وعمقه الاستراتيجي، حيث نمطية الطرح بذكاءٍ شديد من خلال ربط التاريخ العثماني وبطولاته بالإرث العربي الأصيل، وتجلّى ذلك في ربط الحدث بالمدينة المنورة وعمقها الرّمزي والدّيني المرتبط بالبشارة النّبويّة التي بدأت من صلب الثقافة العربية والمسير النبوي، وهذا الربط الذكي أثمر عن عملٍ فريد في أجزائه الثلاثة، فأنصفت التجربة شخصيّة السلطان محمد الفاتح وخرجت بها من قوالب “البطل الخارق الصامت” إلى أفقٍ إنساني أرحب للفهم والغوص فيها، فلقد عشنا من خلال هذا العمل دراما سلوكية حقيقيّة، وسيناريو مُتقَناً يغوص في حديث النّفس، والتردُّد البشري الطبيعي، والمنافسة الداخلية الشرسة وصراع الأجنحة بين القوى السياسية والوزراء التي سبقت وتزامنت مع فتح القسطنطينية، ممّا جعله نموذجاً يوازن بحرفيةٍ نادرة بين الحقيقة التاريخية والضرورة الدرامية.
وأمام هذا الواقع المليء بالتّحديات الفكرية في مجال صناعة الوعي بالدراما، أصبح لزاماً علينا كعرب، وعلى الأتراك والأمم الأخرى أيضاً، أن نتحرَّك بجديّة لتخليص التّجربة الدّراميّة التّاريخيّة من الشوائب التّجارية التي طرأت عليها وأفسدت نقاء رسالتها، فلقد بات السيناريو اليوم في كثيرٍ من الأعمال أسيراً لرأي الجمع الجماهيري “التريند”، وتحوّل تركيز بعض المخرجين والمنتجين الجيدين نحو البحث عن الاستثمار البحت وتحقيق أعلى العوائد المالية على حساب القيمة المعرفيّة والتّوثيقيّة، وإنّ هذا الانزلاق يهدّد بتحويل الفن من أداة تنويرية إلى عملية “تزوير ناعم” للوعي وتسطيح للعقول من خلال تزييف الحقائق لإرضاء عواطف المشاهدين، فالرسالة الفنية يجب أن تظلّ خالصة، ومنزّهةً عن حسابات السوق التجارية الضيقة، لتكون حجر زاوية حقيقي في بناء جيل واعٍ، يقرأ ماضيه بمسؤولية ونقد وتأمل، لا جيل يستهلك تاريخه وأمجاده كوجبةٍ ترفيهية سريعة تفقد قيمتها بانتهاء شارة العرض.


