فنون
“كْريْمِر ضد كْريْمِر” الذي أُنتِجَ في عام 1979، هو واحد من أروع الأفلام الدرامية في حقبة السبعينيّات، وقد أخرجه “روبرت بينْتون”، كما قام بكتابة النص السينمائي باقتباسه من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب “إفِري كورْمان”، والتي أصدرها في عام 1977.
الفيلم يتمحور حول قضية طلاق وصراع من أجل حضانة طفل، وتبدأ أحداثه مع “تِدْ كْريْمِر”، وهو رجل منهمك في عمله كمديرٍ تنفيذي لإحدى شركات الإعلانات، ولا يولي اهتمامًا كافيًا بزوجته “جُوانا” وابنهما الصغير “بيلي”، ليس لأنّه رجل سيئ، بل لأنّ عمله يشغل كل تفكيره، ولا يكاد يجد وقتًا لأي شيء آخر.
حين يعود “تِد” إلى المنزل تخبره زوجته “جُوانا” أنّها غير قادرة على تحمّل هذا الزواج، وهو بالكاد يستمع إليها ولا يأخذ حديثها على محمل الجد، لكن “جُوانا” تقّرر مغادرة المنزل وترك ابنها الصغير “بيلي”، وكعنوان الفيلم “كْريْمِر ضد كْريْمِر” تعمّد الكاتب والمخرج “روبرت بينْتون” أنْ يجعل المُشاهد ينظر إلى الفيلم بشكلٍ انحيازي وليس حياديّ، بالميل إلى طرف على حساب الطرف الآخر، وإلقاء اللوم وإطلاق الأحكام.
هل نقف مع الزوج “تِد كْريْمِر” الذي يقضي معظم ساعات يومه منهمكًا في عمله لتأمين حياة كريمة لزوجته وابنه؟ أو نقف مع الزوجة “جُوانا كْريْمِر” التي تخلّت عن وظيفتها ومستقبلها المهني لتكون ربّة منزل وترّبي ابنها؟ الزوج شخصٌ غير منظّم ودائمًا يتأخّر في القدوم إلى المنزل، وبسبب إهماله يجهل أمورًا مهمة يفترض لكل زوج طبيعي معرفتها عن أسرته، والزوجة قد تكون إنسانة ضعيفة وأنانية ومتسرّعة بمغادرتها المنزل بكل سهولة وترك ابنها الذي لا يستطيع الاستغناء عنها في عهدة شخص هي تعتبره مهملًا وغير مسئول.
الأمر المهم في قصة هذا الفيلم أو في الحياة على أرض الواقع ليس مَن هو على صواب أو على خطأ، فنحن نُدرك تمامًا أنّ الكمال ليس من سمات البشر، وكل إنسان يملك طاقةً محدودة وتحكمه بيئته وظروفه ومشاعره، ولا يمكننا إلقاء اللوم وإطلاق الأحكام بناءً على الأمور الظاهرة.
حين تغادر “جُوانا” المنزل، يصبح “تِد” في حالة يُرثى لها، فهو لا يملك الوقت للعناية بشئون المنزل أو الطبخ أو الجلوس مع ابنه وتوصيله إلى المدرسة يوميًا ومتابعة دروسه، ولكنّه يضطر لتحمّل كل ذلك حتى يصل الأمر في نهاية المطاف إلى إقالته من عمله في الشركة.
يتقرّب “تِد” من ابنه “بيلي” ويحاول أن يكون أبًا مثاليًّا وشخصًا أفضل وأكثر نضجًا، وتتفاقم الأمور بعودة “جُوانا” التي تقرّر رفع قضية طلاق والمطالبة بحضانة “بيلي”، وتنتقل الأحداث إلى قاعة المحكمة.
الفيلم من بطولة “داسْتِن هوفْمان” بشخصية “تِد كْريْمِر”، و”ميريل سْتريب” بشخصية “جُوانا كْريْمِر”، و”جاسْتِن هِنْري” بشخصية الطفل “بيلي كْريْمِر”، و”جيْن أليكْسانْدِر” بشخصية الجارة “مارْغريت فيلْبْسْ”، وقد أبدعوا جميعًا.
بلغت ميزانية إنتاج الفيلم 8 ملايين دولار، وقد حقّق نجاحًا كبيرًا في شبّاك التذاكر في أمريكا بإيرادات تزيد عن 106 مليون دولار، ليكون الفيلم الأكثر تحقيقًا للإيرادات في عام 1979، كما نال تقييمات عالية جدًّا من النقّاد والجمهور، ولا تزال شعبيته مستمرة إلى يومنا هذا.
فاز الفيلم بـ 5 جوائز أوسكار لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل نص سينمائي مقتبس وأفضل ممثل “داسْتِن هوفْمان” وأفضل ممثلة مساعدة “ميريل سْتريب”، وترشّح لـ 4 جوائز أخرى، لأفضل ممثل مساعد “جاسْتِن هِنْري” وأفضل ممثلة مساعدة “جيْن أليكسانْدِر” وأفضل تصوير وأفضل مونتاج، والجدير بالذكر أنّ “جاسْتِن هِنْري” حقّق رقمًا قياسيًّا بكونه أصغر شخصٍ يترشّح لجائزة الأوسكار على الإطلاق وهو في الثامنة من عمره.
كانت هناك العديد من المَشاهد والحوارات والتعديلات التي اقترحها الممثلون لإضافتها في الفيلم، وقد تقبّلها الكاتب والمخرج “روبرت بينْتون” بصدرٍ رحب، وكان سعيدًا بتلك الإضافات التي جعلت الفيلم أفضل ممّا هو عليه.