مجتمع

الحياد القاتل.. كيف خذل الفن السوري ضحاياه

مايو 4, 2026

الحياد القاتل.. كيف خذل الفن السوري ضحاياه

أحمد الياماني

 

ليست المشكلة في أن يخطئ الفنان، ولا في أن يختار الصمت أحيانًا اتّقاءّ للخوف أو حفاظًا على ما تبقى من حياته المهنية. المشكلة تبدأ حين يتحوّل هذا الصمت إلى نمط، إلى موقفٍ ثابت، إلى تواطؤٍ غير معلن مع الجريمة. بعد القبض على جزّار حيّ التضامن (أمجد يوسف)، وبعد أن انكشفت مقاطع تقشعر لها الأبدان لقتل معتقلين عُزّل في مشفى تشرين العسكري، كان المنتظر ولو بالحدّ الأدنى أن نرى رجفةً إنسانية، كلمة، إدانة، أو حتى إشارة خجولة تقول: “هذا ليس مقبولًا”. لكن ما حدث كان العكس تمامًا صمتٌ ثقيل، بارد، يكاد يكون أكثر فظاعةً من الجريمة نفسها.

هنا يحقّ لنا أن نسأل: أين الفنانون السوريون؟ أين أولئك الذين يملأون الدنيا ضجيجًا عند أيّ حادثةٍ صغيرة، عند أيّ تقصيرٍ إداري، أو حتى عند أيّ احتكاكٍ طائفي عابر؟ لماذا يتحوّلون فجأة إلى كائناتٍ محايدة، بلا صوتٍ، بلا موقف، عندما يتعلق الأمر بدمٍ حقيقي، بضحايا حقيقيين، بجرائم موثقة بالصوت والصورة؟

الفنّ، في جوهره، ليس مهنة للترفيه فقط. هو موقف، هو ضمير، هو انعكاس لآلام الناس وآمالهم. الفنان الذي لا ينحاز للإنسان في لحظة ذبحه، لا يمكنه أن يدّعي لاحقًا أنّه يمثّل هذا الإنسان على الشاشة أو المسرح. ما قيمة كلّ تلك الأدوار “الوطنية” التي قُدّمت؟ ما معنى كلّ تلك المسلسلات التي تتغنى بالعدالة والكرامة، إذا كان ممثّلوها يعجزون عن قول كلمة حقّ أمام مجزرة موثقة؟

الأكثر استفزازًا أنّ كثيرًا من هؤلاء الفنانين لا يتردّدون في الظهور حين يكون الثمن رخيصًا: تصريح هنا، منشور هناك، دموع مصطنعة على حدث آمن لا يكلّف شيئًا. أمّا حين يكون الموقف مكلّفًا أخلاقيًّا ولو بكلمةٍ فإنّهم يختفون. هذا ليس حيادًا، بل انتقائية فاضحة. ليس مجرّد خوف، بل حسابات باردة تضع “المصلحة” فوق الدم.

وقد كان يُقال سابقًا إنّ الخوف قد يفسّر هذا الصمت، وإنّ القبضة الأمنية كانت تقمع أيّ صوت مختلف. لكن هذا التبرير لم يعد قائمًا اليوم. نحن أمام مرحلة جديدة، مرحلة سقط فيها النظام الذي كان يُستخدم كذريعةٍ للصمت، ودخلت سوريا طورًا من الوعي والانفتاح النسبي الذي يتيح على الأقل حدًّا أدنى من التعبير الإنساني. لذلك، لم يعد الصمت قابلاً للتفسير بالخوف، بل أصبح موقفًا صريحًا بحد ذاته. من يختار ألا يتكلم الآن، إنّما يعلن، بشكلٍ غير مباشر، أنّه لا يريد أن يرى، أو لا يريد أن ينحاز، أو أنّه لا يزال أسير حساباته القديمة رغم تغيّر الواقع.

المفارقة المؤلمة أنّ الشعب الذي صفّق لهم يومًا، وبكى مع أدوارهم، صار اليوم يرى حقيقتهم: فنان بلا موقف هو مجرّد مؤدٍّ، مجرد واجهة. الفن الذي لا ينحاز للضحايا يتحوّل إلى ديكور، إلى سلعة، إلى أداة تلميع لواقع قبيح.

إنّ الصمت أمام الجريمة ليس حيادًا، بل اصطفافاً غير مباشر مع الجلاد. وكلّ دقيقةٍ تمر دون كلمة، دون موقف، تُضاف إلى سجل العار. لن ينسى الناس من تكلم، ولن ينسوا أيضاً من صمت. التاريخ لا يرحم، والذاكرة السورية تحديداً مثقلة بما يكفي كي تفرّق بين من كان إنساناً… ومن اختار أن يكون ظلاً.

شارك

مقالات ذات صلة