Blog

سيرة ورقم ذاتي لمعلم وطني بثلاث مراحل

أبريل 22, 2026

سيرة ورقم ذاتي لمعلم وطني بثلاث مراحل

يونس العيسى

في بلاد ما تزال تدار بعقلية الرقم الذاتي، حيث يقاس الإنسان بعدد الأختام على أوراقه لا بعدد السنوات التي قضاها واقفاً أمام السبورة، تبدو قصة أستاذ مثل حسن للوهلة الأولى حكاية استثنائية. لكنّها، عند التمحيص، ليست سوى نموذج مُحكم الصياغة لمعادلة إدارية متكررة: كيف تحول معلم إلى خطأ، ثمّ تعيده إلى وظيفته كدرس تحذيري للآخرين.

حسن ليس بطلاً خارقاً، ولا حتى ضحية فريدة. هو مجرّد معلم ارتكب خطأ غير مهني: صدق أنّ التعليم رسالة، وأنّ الكرامة جزءٌ من الوظيفة، وأنّ الصمت ليس شرطاً من شروط التثبيت، ثم، لسببٍ غير مفهوم إدارياً، قرر أن يخرج إلى الشارع، وكأنّ الشارع امتداد طبيعي للصف.

ومن هنا، بدأت رحلته التعليمية الحقيقية لا كمعلم، بل كموضوع درس، أخطأ فظنّ التعليم رسالة، فعاد ليعاد تأهيله في طاعة الروتين الإداري.

في صباحٍ ضبابي أمام مديرية التربية بحلب، وقف الأستاذ حسن 53 عاماً حاملاً بيده اليمنى ملفاً بلاستيكياً، يضم أوراقاً ثبوتية: شهادته العلمية الأخيرة، صورة عن هويته الشخصية، ونسخة مصورة عن بطاقته الذاتية، وبيان خدمة، يده اليسرى مثبتة على ظهره بسبب انزلاق غضروفي أهمله منذ سبع سنوات.

حسن واحد من آلاف المعلمين السوريين الذين فصلوا من وظيفتهم بعد مشاركتهم في الثورة السورية عام 2011، والذين أمضوا أكثر من عقدٍ في المنافي الداخلية، بين ورش البناء ومدارس الشمال ومحطات التكسي، قبل أن تصدر قرارات بإعادتهم إلى وظائفهم. لكنّ الطريق إلى العودة لم يكن سهلاً وحمل في طياته إذلالاً جديداً لم يكن في الحسبان.

المرحلة الأولى: قبل الثورة.. طقوس الولاء

في زمنٍ بعيد، كان الأستاذ حسن معلماً محترماً، كان يسكن في شقة بحي الميسر في حلب. راتبه عام 2011 كان بحدود 25 ألف ليرة سورية، لا يكفي لتأمين احتياجات أسرته الأساسية، بعد مشاهدات المدير اليومية، كلّ شهر، كان الموجه التربوي يتفقد دفتر التحضير، لم يكن يهتم بما تعلمه الطلاب، بل كان يتأكد من أنّ الدفتر منظّم بالشكل المطلوب، كلمة يحتاج إلى تحسين كانت تعني بقاء حسن على لائحة الانتظار لسنوات.

وفي كلّ مناسبةٍ وطنية، كان على المعلمين التجمع في الساحات حاملين صور الأسد وعائلته، والغياب يعني تسجيل الاسم في السجل الأسود، وشعبة الحزب كانت بوابة الترقية، من يرضها يصبح مديراً أو موجهاً، ظلّ حسن معلماً عادياً لسنوات، بينما زميل أقل كفاءة أصبح مديراً لأنّ صهره كان مسؤولاً في فرع الحزب.

ونقابة المعلمين لم تكن صوتاً للمعلمين، بل رديفاً سلطوياً، توزع التعليمات الحزبية وتجمع الاشتراكات الشهرية، كان حسن يغادر المدرسة كلّ يوم وهو يشعر بأنّه ليس مجرّد معلم، بل موظف يخدم سلطة دولة لا تقدر العلم بقدر ما تقدر الطاعة.

المرحلة الثانية: مهنة الأنبياء وحال الفقراء

كان راتب حسن لا يكفي لتأمين احتياجات أسرته الأساسية، كان على حسن أن يعمل وظيفة ثانية. بعد الدوام، كان يقود تكسي حتى الليل، وإلى جانب ذلك، كان يدرس ساعات إضافية في مدرسةٍ خاصة يملكها مستثمر تعليمي تجاري يجني الأرباح من تعب المعلمين، هذه المفارقة كانت ملخص حال المعلم السوري قبل الثورة: يحمل رسالة تعليمية عظيمة، لكنّه يعيش في فقر مدقع، ويخضع لنظامٍ من الابتزاز تحت عنوان الولاء الوطني.

المرحلة الثالثة: المشاركة في الثورة والفصل التعسفي

في عام 2011، شارك حسن في الثورة السورية في حيه. لم يحمل سلاحاً، ولم يرق دم أحد، فقط رفع صوته مع الآخرين يطالب بالحرية والكرامة، بعد أيامٍ، تسلّم قرار الفصل رقم 457/أ. السبب: التغيب عن العمل دون إذن، ودعم “الإرهابيين المسلحين” رغم أنّ الجميع يعلم أنّه كان في مظاهرةٍ سلمية.

ومنذ ذلك اليوم، تحوّل الأستاذ حسن من معلمٍ محترم إلى “إرهابي مفصول”. أصبح رقمه الذاتي مقروناً بملفّ أمني، وأصبح ابنه لا يستطيع الالتحاق بالجامعة لأنّ والده مطلوب أمنياً ويشكّل تهديداً على الدولة.

المرحلة الرابعة: التهجير.. من حي الميسر إلى إعزاز

في عام 2013، اشتد القصف على حي الميسر، خرج حسن مع عائلته يحمل ما تيسر. توجه إلى مدينة إعزاز في الريف الشمالي، حيث استقر مع عائلته في أحد مخيمات النزوح، في إعزاز، كان حسن الغريب الذي لا يعرفه أحد، والذي يحمل في جيبه مذكرة بحث لا يعرف عنها شيئاً سوى أنّها تطارده. كان يخاف أن يقول لأحد إنّه معلم، فيقول: عامل بناء، ثمّ يذهب صباحاً إلى ورشة بناء ليحمل الحجارة، وهو الذي كان يحمل القلم ليعلّم الأطفال، هذا هو الثمن الذي يدفعه من يرفض الصمت: أن يصبح مهجراً في بلده، وأن يخفي مهنته خجلاً من حاضره.

المرحلة الخامسة: في مدارس الشمال.. تعليم الحرية تحت القصف

في إعزاز، وجد حسن فرصة للعودة إلى مهنته. في إحدى مدارس المدينة، جلس للمرة الأولى بعد الفصل أمام طلاب جدد، لم تكن المدرسة كتلك التي تركها، لم يكن هناك موجّه تربوي يتفقد دفتر التحضير. لم تكن هناك مسيرات إجبارية، لم تكن هناك شعبة حزب تراقبه. كان هناك فقط: صف، وسبورة، وأطفال فقدوا بيوتهم وذويهم كما فقد هو بيته وأخوته، وأطفال رأوا ما لا ينبغي لأي طفل أن يراه: القصف، والنزوح، والموت، وهنا، في هذه المدرسة البسيطة، أعاد حسن اكتشاف معنى التعليم.

لم يعد التعليم مجرّد نقل معلومات من كتاب إلى رأس الطالب. أصبح شيئاً آخر تماماً، كان يكتب على السبورة معادلات رياضية، لكنّه كان يرسم بجانبها خريطة سوريا ويقول: هذي بلدنا، وهي حرة، وهي لنا جميعاً.

كان يقرأ مع الأطفال قصصًا عن العدالة، كان يشرح لهم أنّ العلم ليس مجرّد أداة للحصول على وظيفة، بل هو سلاح لتحرير العقول. كان يكرر مقولة الفيلسوف التربوي البرازيلي باولو فريري التي حفظها عن ظهر قلب: “التعليم لا يغير العالم، التعليم يغير الناس، والناس يغيرون العالم”.

وكان يضيف من عنده: الصف هو ساحة حريتنا، القلم سلاحنا. التعليم أداة تحرر للمقهورين، من يملك التعليم يملك المستقبل، في تلك المدرسة، لم يكن حسن مجرد معلم. كان نموذجاً حياً للصمود، كان يخبر طلابه عن قصة فصله، عن سبب تهجيره، عن الثمن الذي دفعه لأنّه رفع صوته بالحرية، لم يكن يخاف. لم يكن هناك من يخاف منه.

المرحلة السادسة: بين التعليم والبناء.. وظيفتان في آن

استمر حسن في التعليم في مدارس الشمال لبعض الوقت. لكن الظروف المادية القاسية، وقلة راتبه جعلته يضطر للبحث عن عملٍ إضافي، كان يعمل في ورش البناء أثناء العطلة المدرسية، ويدرس في المدرسة حين الدوام كانت يداه تتعبان من حمل الحجارة، ثمّ تحملان الأقلام، كان جسده ينهك من العمل الشاق، ثمّ يقف أمام الطلاب وكأنّه لا يشعر بألم، وجع ظهره  كان يزداد، وكان يعالج نفسه بالمسكنات. كان يخفي آلامه عن الطلاب. كان يبتسم لهم رغم الألم.

المرحلة السابعة: صدور القرار.. والروتين الإداري

بعد سقوط نظام الأسد الذي فصل حسن من وظيفته وهجره وقتل أخاه، واعتقل والده، وصلته رسالة: صدر قرار بإعادة المفصولين. اسمك ضمن قوائم المعادين، فرح حسن. لكن فرحته لم تدم طويلاً، حيث بدأت الرحلة، توجه إلى مديرية التربية بحلب، حيث طلب منه الموظفون تقديم مجموعة من الأوراق الثبوتية: طلبوا إحضار  الشهادة التعليمية التي حصل عليها قبل ثلاثين عاماً، مع تصديقها من مديرية الامتحانات، وكذلك صورة مصدقة عن بطاقته الذاتية، وصورة عن بطاقته الشخصية، لكن بطاقته كانت منتهية الصلاحية وصادرة عن المجلس المحلي ولا يعترف بها اليوم، بالإضافة إلى ورقة “على رأس العمل” من المدرسة التي يعمل بها.

ولم تتوقف الطلبات عند هذا الحد. طلبوا منه أيضاً بياناً عائلياً بديلاً عن هوية المجلس المحلي وكان عليه التوجه إلى مديرية الأحوال المدنية في مركز المحافظة  لاستخراجها، بعد أن فقد أصولها أثناء التهجير، وبيان غير محكوم، وتقرير طبي صادر من مشفى حكومي مكتوب فيه “صالح للخدمة”.

كلّ هذه الأوراق تطلبت منه السفر إلى مدينة حلب عدة مرات، ودفع رسوم استخراجها استدان معظمها من الأهل والجيران. كانت أيامه تمضي بين الانتظار في الطوابير والسفر ذهاباً وإياباً، وجيبه فارغ، وظهره يؤلمه.

المرحلة الثامنة: شام كاش.. وترقب الراتب

بعد شهورٍ من التنقل بين الدوائر، صدر اسم حسن في لوائح التنمية الإدارية، لكن قبل صرف الراتب، طلبوا منه فتح حساب على برنامج شام كاش لتسلم راتبه الشهري، فتح الحساب لم يكن سهلاً، ويحتاج شراء رقم وطني من إحدى شركات الاتصالات، دفع آخر ما تبقى معه ثمناً للرقم.

الأن، كلّ شهر، ينتظر حسن بفارغ الصبر إشعاراً على هاتفه يخبره بوصول راتبه، يفتح البرنامج، يحدّث التطبيق كلّ بضع ساعات، عندما يأتي الإشعار، يذهب إلى الصراف. يسحب راتبه، ليجده بعد الخصومات، لا يكفي لسداد ديونه. ولا يكفي لشراء كلّ حاجات أسرته.

المرحلة التاسعة: العودة إلى المدرسة في حي الميسر

بعد تقديم طلب نقل، دخل حسن إلى مدرسة الحي الذي تهجر منه قبل سنوات عديدة، رأى من يجلس على مكتب المدير: الأستاذ زهير، زميله القديم الذي كان أول من يهتف في المسيرات، ويرأس اجتماعات شعبة الحزب، والذي رقص في احتفالات تجديد ولاية الرئيس، حصل على شهادة أعلى خلال سنوات غياب حسن، فصار مديراً.

زهير: أهلا أستاذ حسن، أنا مدير المدرسة، وعليك الالتزام بقرارات الإدارة، وعدم الحديث في السياسة وزعزعة السلم الأهلي، مضيفاً أنّ الشهادة العلمية العليا تمنح صاحبها أحقية بالمنصب، هذا إجراء إداري.

ردّ عليه حسن قائلاً: الشهادة العليا لا تعيد الكرامة، الكرامة كانت عندما خرجت إلى الشارع في 2011. الكرامة كانت عندما علّمت الأطفال في الخيام أنّ الإنسان يولد حراً.

ثمّ فتح حسن دفتر التحضير الجديد وكتب: عدت إلى مدرسة الحي الذي تهجرت منه. درّست في الشمال تحت القصف، حملت الحجارة بيدين علمتا الأجيال، سافرت إلى حلب مرات عدة لأخرج شهادتي التعليمية وبطاقتي الذاتية وبيان غير محكوم وفحصاً طبياً. دفعت آلاف الليرات، قالوا عني: صالح للخدمة، اشتريت رقماً وطنياً، وفتحت حساباً، كل شهر أنتظر إشعار راتبي القليل.. وها أنا اليوم في غرفة المدرسين، مديري زهير هو من رقص في احتفالات تجديد الولاية ويوم تهجيرنا من حلب.

قصة الأستاذ حسن ليست مجرّد حكاية فردّ. إنّها تعكس واقع آلاف المعلمين السوريين الذين مروا بثلاثة عقود: العقد الأول: معلم محترم يخضع لطقوس ولاء لسلطة حاكمة، يملأ دفاتر التحضير، ويحضر المهرجانات، ويرضي شعبة الحزب، ويصطدم بنقابة رديفة، ويعمل وظيفتين ليتمكن من العيش.

العقد الثاني: إرهابي مفصول، يُطرد من وظيفته لمجرد مشاركته في مظاهرة سلمية، يُهجّر من منزله، يتنقّل بين سبع مدن، يعمل في ورش البناء ويحمل الحجارة بيدين علمتا الأجيال.

العقد الثالث: معاد إلى الوظيفة، لكنّه يواجه بيروقراطية معقّدة، ويدفع آلاف الليرات ثمناً لبيان غير محكوم،  وفحص طبي يقول إنّه “صالح للخدمة” رغم آلام ظهره، ويفتح حساباً على شام كاش وينتظر إشعار راتبه القليل كل شهر، ويشتري لباسه من دكاكين الملابس المستعملة، ويعود ليجد من رقص على جراحه مديراً عليه، بعد سنوات من تعليم الحرية تحت القصف.

المطلوب اليوم ليس أرقاماً ذاتية جديدة، بل:

  1. إلغاء بيان غير محكوم، فهم ضحايا وليسوا مجرمين.
  2. إعادة المعلمين المفصولين إلى مناصبهم دون وصاية من زملاء كانوا جزءا من آلة الفصل.
  3. الاعتراف بفضلهم وتكريمهم وضمّ خدمتهم الوظيفة، ووجوب دفع مستحقاتهم المالية طيلة سنوات فصلهم التعسفي.
  4. وقف الروتين الإداري الذي يستخدم لتغطية الإذلال المقنع.
  5. رفع رواتب المعلمين لتكفي للعيش بكرامة دون حاجة إلى استدانة أو وظيفة ثانية.
  6. الاعتراف بأنّ التعليم الحقيقي هو الذي يحرّر العقول، وليس الذي يخدرها بطقوس الولاء.
شارك

مقالات ذات صلة