آراء

الهدنة السياسية ما بين الاستقرار  و الوهم 

أبريل 14, 2026

الهدنة السياسية ما بين الاستقرار  و الوهم 

تُمثل الهدنة في عرف العلوم السياسية “وقفة استراتيجية” هدفها  تخفيف حدة الصراع أو يكون الهدف هو الاستجابة لضغوط دبلوماسية مكثفة من أطراف ذات علاقة بالحدث ، وهي تجربة عرفها تاريخنا العربي الإسلامي السياسي  بعمق في صلح الحديبية، والذي جسّد براعة “التفاوض النبوي” قبل أن تنقضه وتهدمه قريش بممالأة حلفائها ضد حلفاء المسلمين، مما يؤكد تاريخياً أن غياب الميثاق الأخلاقي وقوة الردع يحيل الاتفاقات والهدن إلى مجرد مناورات هشة لا تخدم إلا الطرف الأقوى من الصراع ،  وفي العصر الحديث، تبرز العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران كنموذج صارخ لهذه “الهدن المتوترة” ، حيث ما زال الشك قائما في انشاء اتفاق سلام دائم، والظن يرنو للجوء إلى هدن تكتيكية تهدف إلى إدارة الصراع الأمريكي الإيراني  وليس  حله، وغالباً ما تولد أمثال هذه الهدن ميتة أو هشة نتيجة “الغموض المتعمد” من قبل الطرفين في صياغاتهم السياسية، وهذا يمنح كل طرف منهما غطاءً لمواصلة أجندته الغامضة تحت لافتة ” الهدنة “.

ونجد أنه تتعدد أسباب هدم الهدن سياسياً واقتصادياً ، فغياب الضمانات الدولية مثلاً  واختلال موازين القوى يدفع الطرف الأقوى لنكث العهد سعياً لحسم عسكري سريع  ينهي حالة الاستنزاف في موارده ، وخاصة حين يرى أن تكلفة الحرب أقل من تكلفة السلام الذي قد يقيد تحركاته التوسعية ومكتسابته  ، وأما من المنظور الاقتصادي، فقد تنهار الهدنة نتيجة استمرار العقوبات الاقتصادية  الخانقة التي تجعل الطرف المتضرر يرى في العودة للقتال وسيلة لكسر ذلك الحصار المؤلم ، أو ممكن أن تكون نتيجة السعي المستميت للسيطرة على ممرات الطاقة الحيوية والمضائق المائية التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد العالمي وهذه فرصة ذهبية يسيل لها اللعاب ، فهذا الواقع يجعل العائد من الحرب في نظر بعض الأطراف أكبر من مكتسبات السلام الهش، فتتحول الهدنة في هذه الحالة إلى مجرد “تكتيك ذكي” لإعادة التموضع و التسلح، وتطوير الأسلحة ، وتحسين التمركز الميداني، بانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض على الخصم.

أما بالنسبة لدورنا في دول مجلس التعاون الخليجي، فإن فهمنا لهذه الهدنة الأمريكية-الإيرانية يجب أن ينطلق من كوننا الطرف الأكثر تأثراً بتبعاتها المباشرة وسلبياتها المؤلمة ، فنحن أصحاب الشأن الأكبر والذي يهمه استقرار الإقليم واستدامة أمنه ، لذلك يتوجب علينا ممارسة دور “الموازن الاستراتيجي” الذي لا يكتفي بمباركة الهدن المعلنة ، بل يضغط بكل ثقله السياسي والاقتصادي بما يملكه من ملفات محركة للقوى العالمية  لضمان تحويلها من “تفاهمات  وهدنة أمنية غامضة” إلى اتفاقيات شاملة وشفافة تضمن أمن الخليج العربي واستقرار حدوده ، فالدور الخليجي المأمول الآن يتطلب منع استخدام هذه الهدن كغطاء للتوسع الإقليمي مع ضرورة الحفاظ على قوة ردع ذاتية وشراكات استراتيجية متزنة تجعل من نكث الهدنة مغامرة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر.

شارك

مقالات ذات صلة