فنون
“The Apartment” أو “الشقّة” هو أعظم فيلم دراما رومانسي كوميدي شاهدته في حياتي، وقد تمّ إنتاجه في عام 1960، وأخرجه “بيلي وايلدر”، كما قام بكتابة نصّه السينمائي مع زميله “آي إيه إلْ دايْمونْد”.
تدور أحداث الفيلم حول “سي سي باكستر”، الذي يعمل في شركة تأمين ضخمة، حيث يطمح للترقي فيوظّف شقته الصغيرة لخدمة المديرين التنفيذيين، الذين يستعملونها لعلاقاتهم السرية، بينما هو يقضي لياليه هائمًا في الشارع منتظرًا خلو الشقة ليظفر بساعات نوم قليلة قبل العودة للعمل مرهقًا، وحلمه بالترقية يجعله يقدّم تنازلات حتى يلفت انتباه مدير شؤون الموظفين “شيلدريك”، الذي يطلب منه تسهيل لقاءاته بعشيقته موظفة المصعد “فران كوبليك”، والمفارقة أنّ “سي سي باكستر” يحبّها في صمت، وحين تتعقّد الأحداث بمحاولة انتحار، يجد نفسه أمام خيار مصيري: الوظيفة التي يحلم بها، أم الفتاة التي يحبّها.
ما يميّز الفيلم حقًّا ليس فقط فكرته الجريئة في زمنه، بل قدرته على المزج بين الكوميديا السوداء والمرارة الأخلاقية دون أن يفقد خفّته أو إنسانيته، وانتقاده اللاذع لثقافة العمل المؤسسية، حيث يُكافأ الانتهازيون ويرتقون وظيفيًّا، وشقة “سي سي باكستر” ليست مجرّد مكان، بل رمز لمساحة شخصية مُصادَرة، يتنازل عنها البطل شيئًا فشيئًا، ومعها كرامته، حتى يفقد إحساسه بذاته، قبل أن يدرك أنّ النجاح الوظيفي بلا كرامة ليس انتصارًا بل هزيمة مؤجلة.
لقد أبدع “جاك ليمون” بأداء شخصيّة “سي سي باكستر”، وكذلك “شيرْلي ماكلين” بشخصيّة “فْران كوبْليك”، ولا أنسى بقية الممثلين، بمن فيهم: “فْريد ماكموري” بشخصية “شيلْدْريك”، و”جاك كرُوسْتْشِن” بشخصيّة الطبيب “دْريْفوس”، و”نايومي ستيفِنْز” بشخصيّة “ميلْدْريد دْريْفوس”، و”إيدي أدامْز” بشخصيّة “أولْسِن”.
فاز الفيلم بـ 5 جوائز أوسكار، لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل نصّ سينمائي أصلي وأفضل مونتاج وأفضل تصميم مواقع، وترشّح لـ 5 جوائز أخرى، لأفضل ممثل “جاك ليمون” وأفضل ممثلة “شيرْلي ماكلين” وأفضل ممثل مساعد “جاك كرُوسْتْشِن” وأفضل تصوير وأفضل تحرير صوتي.
بلغت ميزانية إنتاج الفيلم 3 ملايين دولار، وقد حقّق نجاحًا منقطع النظير بإيراداتٍ تزيد عن 24 مليون دولار في شبّاك التذاكر في أمريكا وبقية دول العالم، ولا تزال شعبية الفيلم مستمّرة لدى النقّاد والجمهور، وهو يحتل اليوم مركزًا متقدّمًا في قائمة أفضل 250 فيلمًا في موقع imdb حسب تصويت الجمهور.
ظلّ الفيلم خالدًا في ذاكرة الجمهور لأنّه واقعي ويطرح مواضيع مهمّة وحسّاسة، في قصةٍ تكشف مشاعر الإنسان تجاه نفسه والآخرين، وتأثير الحبّ في حياته، وأحلامه وأمنياته وطموحاته الوظيفية، وسعيه لبلوغ الكمال، حتى وإنْ كان الأمر يتطلّب منه أحيانًا استخدام أساليب ملتَوِية.
شاهد “بيلي وايلدر” الفيلم الكلاسيكي “Brief Encounter”، حيث تلتقي امرأة متزوجة برجلٍ متزوج في مقهى صغير لتنشأ بينهما علاقة حبّ محكوم عليها بالفناء، ولفت انتباهه مشهد عابر يستعير فيه ذلك الرجل شقّة صديقه ليقابل المرأة، وقبل مغادرتها بدقائق، يطرق الصديق باب شقته، فيجد الرجل نفسه في موقف محرج يحاول تبريره، والجمهور كلّه كان مشغولًا بمصير العشيقين وقلقًا على انكشاف سرهما، أمّا “وايلدر” فقد كان مأخوذًا بشخصية ذلك الصديق، صاحب الشقة، حتى تبَلْوَرَت في رأسه فكرة فيلم “الشقّة”، وصنع بها تحفته الفنية.



